ليست كل التصريحات التي يدلي بها الفنانون مجرد كلمات عابرة تنتهي بانتهاء الحوار، فبعضها يكشف عن جوانب إنسانية عميقة ويمنح الجمهور فرصة للتعرف إلى الشخص خلف الأضواء. وهذا ما ينطبق على الفنانة المغربية سعاد النجار، التي اختارت في أكثر من مناسبة أن تتحدث بصراحة عن الأسرة والمرأة والحياة، مستحضرة تجاربها الخاصة وما راكمته من مواقف خلال سنوات طويلة من العطاء الفني والإنساني. وفي حديثها الأخير، لم تتوقف النجار عند علاقتها بالمجال الفني، بل فتحت الباب أمام مجموعة من القضايا التي تمس الحياة اليومية، من مسؤولية الزوجين داخل الأسرة إلى طريقة تعاملها مع الأزمات، وصولا إلى علاقتها بأبنائها والحرية التي تمنحها لهم في اختيار مساراتهم. تصريحات ترسم صورة امرأة اختارت الصراحة حين يتعلق الأمر بمبادئها، والكتمان حين يتعلق الأمر بأسرار حياتها الخاصة.
وتنتمي سعاد النجار إلى جيل من الفنانات المغربيات اللواتي تركن بصمة في الساحة الفنية، حيث راكمت تجربة في التمثيل والمسرح، وارتبط اسمها بشكل خاص بالراحل محمد البسطاوي، الذي جمعها به الزواج والعمل والحياة الأسرية. وقد شكل رحيله محطة فارقة في حياتها، بعدما وجدت نفسها أمام مسؤوليات كبيرة تجاه أبنائها، وهو ما جعل تجربتها الإنسانية تزداد عمقا مع مرور السنوات. ورغم صعوبة المرحلة، واصلت النجار ارتباطها بالفن، سواء من خلال مشاركاتها الفنية أو من خلال اهتمامها بالمسرح والمبادرات المرتبطة بإرث الراحل، لتؤكد أن علاقتها بالفن لم تكن مجرد مهنة، وإنما جزء أساسي من مسار حياتها.
وكشفت سعاد النجار، خلال حديثها في بودكاست «السهم»، عن موقفها من تحمل الزوجة للمصاريف داخل الأسرة، موضحة أن المرأة عندما يكون زوجها مريضا أو عاجزا عن العمل يمكنها أن تتحمل مسؤولية الإنفاق وتقف إلى جانبه، لأن الظروف الصحية الصعبة تفرض التضامن بين الزوجين، وتجعل المساندة واجبا إنسانيا وأسريا. لكنها في المقابل كانت واضحة في رفضها لاستغلال الزوج لزوجته عندما يكون قادرا على العمل وتحمل مسؤولياته، معتبرة أن الأمر يختلف تماما عندما يكون الرجل قادرا ثم يتعمد ترك الأعباء المالية على زوجته واستغلال قدرتها على الإنفاق. وعبرت النجار عن موقفها بلهجة صريحة، رافضة أن تتحول تضحية المرأة إلى وسيلة يستغلها الزوج لمصلحته، ومؤكدة أن المساندة الحقيقية تكون في الظروف القاهرة وليست مبررا للتنصل من المسؤولية.
وفي حديثها عن حياتها وطريقة تعاملها مع الصعوبات، كشفت النجار أيضا أنها لا تحب الشكوى إلى الناس ولا ترى في كشف أسرارها الشخصية أمام الآخرين حلا لمشاكلها. واستحضرت عبارة «الشكوى لغير الله مذلة»، مؤكدة أنها عندما تمر بضيق أو تواجه مشكلة تفضل أن تشتكي إلى الله وحده، دون أن تفتح تفاصيل حياتها الخاصة أمام أي شخص. ويعكس هذا الموقف طبيعة شخصية عرفت عنها القدرة على التحمل والكتمان، خصوصا أنها واجهت محطات صعبة في حياتها، أبرزها رحيل زوجها وتحملها مسؤولية أبنائها ومواصلة حياتها المهنية في ظروف جديدة. وبدلا من تحويل تلك التجارب إلى مادة للشكوى أو الاستعطاف، اختارت أن تحتفظ بالكثير منها لنفسها، وأن تجعل علاقتها بالله الملاذ الذي تلجأ إليه عندما تثقلها الظروف.
أما علاقتها بأبنائها، فتبدو من أكثر الجوانب التي تحرص سعاد النجار على الحديث عنها، خصوصا أنها تعتبر الأسرة جزءا أساسيا من حياتها وتجربتها. وقد سبق أن عبرت بوضوح عن طبيعة العلاقة التي تجمعها بأبنائها، قائلة «أبنائي أصدقائي.. وأحترم اختياراتهم ولا أتدخل في حياتهم»، وهي العبارة التي تختصر رؤيتها لدورها كأم، حيث لا ترى أن الحب يعني فرض القرارات أو التدخل في تفاصيل حياة الأبناء، بل ترى أن احترام اختياراتهم ومنحهم الثقة جزء من العلاقة الصحية بينهم. وظهر هذا الموقف بشكل واضح في حديثها عن ابنها هاشم البسطاوي، الذي اختار الابتعاد عن المجال الفني، إذ أكدت أنها تحترم قراره وتتفهم اختياراته، رغم اختلاف المسارات بينهما. كما أن موقفها من أبنائها يعكس رغبتها في أن تبقى العلاقة قائمة على الصداقة والحوار والثقة، لا على السلطة أو الفرض.
وأضافت النجار، في مناسبات سابقة، أن أبناءها يشكلون جزءا أساسيا من قوتها، وأنها حريصة على دعمهم واحترام قراراتهم مهما اختلفت عن رؤيتها الخاصة. وتكتسب هذه العلاقة أهمية أكبر بالنظر إلى المسؤوليات التي تحملتها بعد وفاة محمد البسطاوي، إذ وجدت نفسها مطالبة بالاستمرار في الحياة ومتابعة شؤون الأسرة في مرحلة لم تكن سهلة. ومع مرور السنوات، تحول أبناؤها إلى رفقاء في الحياة، وهو ما يفسر حديثها عنهم باعتبارهم أصدقاء لها، وليسوا فقط أبناء يحتاجون إلى توجيه دائم. ومن خلال تصريحاتها، يبدو أن النجار اختارت أن تكون قريبة منهم بالاحتواء والثقة، مع ترك مساحة لكل واحد منهم حتى يحدد طريقه بنفسه.
وبين الفن والأسرة والتجارب الشخصية، تقدم سعاد النجار صورة امرأة صنعت من الصعوبات جزءا من قوتها، واختارت أن تتعامل مع الحياة وفق قناعات واضحة لا تتغير بسهولة. فهي تؤمن بأن الزوجة يمكن أن تكون سندا لزوجها عندما تفرض الظروف ذلك، لكنها ترفض أن تتحول هذه المساندة إلى استغلال، كما أنها تفضل الاحتفاظ بأسرارها وعدم الشكوى للناس، مكتفية باللجوء إلى الله. وفي المقابل، تضع أبناءها في مكانة خاصة، وتمنحهم الثقة والحرية، معتبرة إياهم أصدقاء قبل أن يكونوا أبناء. وبين هذه المواقف ومسيرتها الفنية الطويلة، تواصل سعاد النجار حضورها كشخصية تجمع بين تجربة الفنانة وتجربة الأم والمرأة التي واجهت الحياة بتحدياتها، وظلت وفية لقناعاتها وللأشخاص الذين يمثلون عالمها الأقرب.