حين تعود أسماء لمنور إلى الواجهة، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد حضور فني جديد، بقدر ما يتعلق بعودة صوت استطاع على امتداد سنوات أن يحافظ على مكانته داخل المشهد الغنائي المغربي والعربي، وأن يجعل من التنوع الموسيقي إحدى أبرز سمات تجربته. وبين الحضور الجماهيري والاختيارات الفنية المتجددة، تواصل الفنانة المغربية تثبيت موقعها كواحدة من الأسماء التي نجحت في الجمع بين الانفتاح على التجارب العربية والتمسك بجذورها المغربية. ويأتي حضورها الأخير في مدينة تطوان، من خلال مشاركتها في الدورة الرابعة عشرة من مهرجان «أصوات نسائية»، ليعيد إلى الواجهة هذا المسار الذي يجمع بين الفن والهوية، خصوصا أن الفنانة اختارت أن تمنح مشاركتها بعدا مغربيا من خلال الاحتفاء بالتراث الموسيقي لمدينة تطوان وشمال المملكة.
وتعد أسماء لمنور من أبرز الأصوات النسائية المغربية التي استطاعت أن تبني لنفسها مسارا فنيا ممتدا، مستفيدة من تكوينها الموسيقي ومن قدرتها على الانتقال بين أنماط غنائية مختلفة دون أن تفقد خصوصيتها. فقد ارتبط اسمها بالأغنية المغربية كما انفتحت على الطرب العربي واللون الخليجي، وهو ما منح تجربتها امتدادا واسعا داخل المغرب وخارجه. وتصفها مصادر إعلامية مغربية بأنها من الفنانات اللواتي استطعن الجمع بين الأغنية المغربية والطرب الشرقي واللون الخليجي مع الحفاظ على هوية فنية خاصة. كما أن مسيرتها، الممتدة لأزيد من ثلاثة عقود، جعلتها من الأسماء الراسخة في الساحة الفنية، في وقت ظل فيه ارتباطها بالأغنية المغربية حاضرا إلى جانب انفتاحها على مختلف المدارس الموسيقية العربية.
وكشفت في تصريحات صحفية لها خلال الندوة التي سبقت مشاركتها في الدورة الحادية والعشرين من مهرجان «موازين» أن التنوع والانفتاح يمثلان جزءا أساسيا من رؤيتها الفنية، موضحة أنها تراهن باستمرار على الاختيارات الغنائية المتنوعة وعلى مواكبة التيارات الموسيقية الجديدة عربيا وعالميا. وأضافت أنها، خلال تنقلها بين مختلف بلدان العالم، تحرص على متابعة المستجدات في المجال الموسيقي والاطلاع على التجارب الجديدة، قبل أن تنقل ما تراه مناسبا إلى بلدها الأم، في تعبير واضح عن رغبتها في الجمع بين الانفتاح والحفاظ على الخصوصية المغربية. وفي السياق نفسه، أكدت أن الفنان مطالب بالاستعداد لكل ظهور، سواء تعلق الأمر بحفل جماهيري كبير أو بلقاء إعلامي، مشيرة إلى أنها لا تخشى الانتقادات أو الأسئلة المحرجة، لأن الاستعداد النفسي والفني جزء من مسؤولية الفنان أمام جمهوره.
وفي ما يتعلق بأعمالها المقبلة، كشفت أسماء لمنور عن مشاريع غنائية كبيرة تشتغل عليها منذ فترة، وفي مقدمتها ألبوم خليجي جديد دخل مراحله الأخيرة بعد أكثر من ثلاث سنوات من العمل والتحضير، وهو مشروع وصفته التقارير الصحفية بأنه ضخم بالنظر إلى عدد الأغاني التي يتضمنها، حيث تحدثت الفنانة عن 22 أغنية، موضحة أن عمليات الميكساج والماسترينغ استغرقت وقتا بسبب حرصها على مراجعة التفاصيل الفنية بدقة. كما تحدثت بالتوازي عن اشتغالها على ألبوم مغربي يضم خمس أغان، أنجزت ثلاثا منها بشكل كامل، بينما يرتبط موعد إصدار المشروع بالاستراتيجية الإعلامية والتسويقية التي يجري الإعداد لها. وتنسجم هذه المشاريع مع توجهها نحو تقديم مادة موسيقية متعددة الألوان، إذ كشفت مصادر أخرى أن ألبومها الجديد يتجه إلى المزج بين الروح الخليجية والهوية المغربية، مع انفتاح على لمسات عربية مختلفة.
وجاءت مشاركتها في مهرجان «أصوات نسائية» بمدينة تطوان لتمنح هذا المسار بعدا آخر، بعدما ارتبط اسمها بهذه التظاهرة منذ دورات سابقة، إذ سبق أن شاركت في الدورة السادسة سنة 2013، حيث لقيت حفلتها تفاعلا جماهيريا كبيرا، وقدم الجمهور التطواني معها مجموعة من أغانيها وسط حضور لافت. أما المهرجان في حد ذاته، فقد تأسس على فكرة الاحتفاء بالإبداع النسائي والانفتاح على مختلف التعبيرات الثقافية المتوسطية، وظل منذ انطلاقه فضاء يزاوج بين الموسيقى والثقافة والتراث. وفي دورته الحالية، عادت أسماء لمنور إلى الموعد لتشارك في السهرة الختامية، ضمن برنامج ضم أسماء فنية مغربية وعربية وأجنبية، في حضور أعاد التأكيد على مكانتها داخل التظاهرات الفنية الكبرى بالمغرب.
ولم يكن حضور أسماء لمنور في تطوان مجرد محطة غنائية عابرة، بل حمل في دلالاته ارتباطا واضحا بالهوية الموسيقية المغربية، خصوصا أن علاقتها بالتراث لم تكن منفصلة عن مشروعها الفني العام. فمنذ بداياتها، ظلت الفنانة حريصة على تقديم الأغنية المغربية إلى جانب انفتاحها على الألوان العربية، وهو التوازن الذي جعل تجربتها قادرة على الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور. ويبرز ذلك أيضا في اختياراتها خلال حفلاتها الكبرى، حيث قدمت في «موازين» أعمالا مغربية مثل «هاحنا جينا» و«مغاربة» إلى جانب أعمال من رصيدها الخليجي والطربي، مؤكدة قدرتها على الانتقال بين الأنماط الموسيقية مع الحفاظ على حضور الهوية المغربية في عروضها.
وهكذا تواصل أسماء لمنور رسم مسار فني يقوم على معادلة واضحة: التجديد من دون التخلي عن الجذور، والانفتاح على التجارب العربية والعالمية من دون التفريط في الخصوصية المغربية. وبين مشاريعها الغنائية الجديدة وحضورها المتواصل فوق منصات المهرجانات، تبدو الفنانة أمام مرحلة تسعى خلالها إلى توسيع تجربتها أكثر، مع الاحتفاظ بذلك الخيط الذي ظل يربطها دائما بالأغنية المغربية وجمهورها. ومن تطوان إلى مختلف المحطات الفنية المقبلة، تثبت أسماء لمنور أن قوة التجربة لا تقاس فقط بعدد الأعمال أو الحفلات، وإنما بقدرة الفنان على تطوير نفسه مع الحفاظ على الهوية التي صنعت اسمه ومكانته.