ما مستقبل الصحافة المغربية في ظل الضغوط الاقتصادية والتحولات الرقمية التي تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في طرق اشتغالها ومصادر تمويلها؟ سؤال يعود إلى الواجهة مع تأكيد إدريس شحتان، رئيس الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، وجود استعداد حكومي للتعاون من أجل النهوض بالقطاع، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى نموذج إعلامي قادر على ضمان الاستمرارية، وحماية الممارسة المهنية، والاستجابة لانتظارات المجتمع.
وشدد شحتان على أهمية بناء مقاولات إعلامية مهيكلة ومواطنة، قادرة على تجاوز الصعوبات التي تعترضها ومواكبة المتغيرات التي يعرفها المشهد الصحفي. ويأتي هذا الموقف في سياق نقاش أوسع حول مستقبل المؤسسات الإعلامية بالمغرب، والسبل الكفيلة بتعزيز حضورها وضمان قدرتها على مواصلة أداء أدوارها.
ويضع الحديث عن الاستعداد الحكومي للتعاون ملف دعم المقاولات الصحفية أمام مرحلة تتطلب، إلى جانب الحوار، تحديد الأولويات وصياغة حلول عملية تستجيب للإكراهات التي تواجه الناشرين. فالتحدي لا يتعلق فقط بتوفير الإمكانيات المالية، بل يشمل أيضا تطوير أساليب التدبير، وتعزيز الموارد، والبحث عن صيغ اقتصادية تسمح للمؤسسات بمواجهة تقلبات السوق والتغيرات المتسارعة في مجال الإعلام.
وتبرز الهيكلة المهنية باعتبارها أحد الشروط الضرورية لتقوية المقاولة الصحفية، من خلال إرساء تنظيم إداري ومالي فعال، وتوضيح المسؤوليات، واعتماد تدبير عقلاني للموارد، فضلا عن الاستثمار في التكوين والتكنولوجيا وتطوير المحتوى. كما يرتبط هذا المسار بتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للصحفيين، وتوفير بيئة عمل تساعدهم على أداء مهامهم في ظروف ملائمة.
وفي المقابل، لا يكتمل بناء مقاولة إعلامية قوية دون الالتزام بمسؤوليتها تجاه المجتمع. فصفة «المواطنة» تقتضي احترام أخلاقيات المهنة، والتحري في نقل الأخبار، وتقديم معلومات دقيقة وموثوقة، إلى جانب معالجة القضايا العامة بما يخدم حق المواطنين في المعرفة ويعزز الثقة في وسائل الإعلام.
وتواجه المؤسسات الصحفية، في هذا السياق، معادلة دقيقة تتمثل في تحقيق الاستقرار المالي دون التفريط في استقلالية القرار التحريري. فتنويع مصادر الدخل، وتطوير الخدمات الرقمية، والابتكار في أساليب إنتاج المحتوى وتوزيعه، كلها عوامل يمكن أن تدعم استمرارية المقاولات، شريطة ألا تتحول الاعتبارات الاقتصادية إلى ضغوط تمس بحرية الصحافة وجودة العمل المهني.
كما يفرض التحول الرقمي على الفاعلين في القطاع التفكير في نماذج جديدة تتلاءم مع تغير سلوك الجمهور وطرق استهلاكه للأخبار، وهو ما يجعل تحديث البنية التنظيمية والتقنية للمؤسسات ضرورة لم تعد قابلة للتأجيل. ويقتضي ذلك تنسيقا بين مختلف المتدخلين، بما يتيح معالجة الإكراهات القائمة وفق رؤية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المقاولات الصحفية وتفاوت إمكانياتها.
ومن شأن أي تعاون فعلي بين الحكومة والمهنيين أن يفتح المجال أمام حلول أكثر وضوحا بشأن التمويل والتأهيل والتكوين وتحديث وسائل العمل، غير أن فعاليته ستظل مرتبطة بمدى ترجمة التوجهات المعلنة إلى إجراءات محددة، ونتائج يمكن تقييم أثرها على أرض الواقع.
وبين الحاجة إلى مقاولات إعلامية قادرة على الصمود اقتصاديا، وضرورة الحفاظ على صحافة مستقلة ومسؤولة، يبقى الرهان المطروح هو إرساء نموذج يضمن استمرارية المؤسسات، ويحسن ظروف اشتغال الصحفيين، ويعزز التعددية وجودة المحتوى، بما يمنح قطاع الصحافة بالمغرب قدرة أكبر على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة.