من الرباط إلى مونتريال، قطعت الفنانة المغربية ليلى الكوشي مسارا لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل رحلة أعادت من خلالها صياغة علاقتها بالفن والجمهور والهوية. فبعد سنوات من الحضور في الساحة الغنائية المغربية، اختارت الاستقرار في كندا، حيث تمكنت من الجمع بين العمل الفني والإدارة والتنظيم الثقافي، دون أن تنقطع عن جذورها المغربية أو عن جمهورها في الوطن. وبين خشبة المسرح وكواليس التظاهرات الكبرى، واصلت الكوشي بناء تجربة مختلفة، جعلت من الموسيقى وسيلة للتعبير عن قيم التسامح والعيش المشترك، ومن حضورها في المهجر فرصة للتعريف بالثقافة المغربية وإبراز صورتها خارج الحدود.
ولدت ليلى الكوشي بمدينة الرباط ونشأت في بيئة شجعتها على الاهتمام بالموسيقى والفنون منذ طفولتها، إذ التحقت بالمعهد الموسيقي وخضعت لتكوين امتد لنحو عشر سنوات، بالتوازي مع دراستها الأكاديمية. كما شاركت في عدد من التجارب التلفزيونية والمسابقات الفنية قبل أن يرسخ اسمها بشكل أكبر بعد مشاركتها في برنامج «ستوديو دوزيم» وفوزها بالجائزة الكبرى، وهي المحطة التي شكلت منعطفا مهما في مسارها الفني وفتحت أمامها أبوابا أوسع للقاء الجمهور المغربي. وبعد انتقالها إلى كندا، لم تتخل عن الفن، بل وسعت مجالات اشتغالها، فإلى جانب الغناء أصبحت حاضرة في تنظيم وإدارة التظاهرات الفنية والثقافية، وأسست شركتها الخاصة التي تشتغل من خلالها في مجال الإدارة الفنية وتنظيم السهرات والفعاليات.
وكشفت ليلى الكوشي في تصريحات صحفية لها أن علاقتها بالفن لا تقوم على البحث عن الحضور التجاري بقدر ما ترتبط بالشغف والقناعة، موضحة أنها تمتلك أعمالا فنية جاهزة، لكنها لا تنظر إليها بمنطق المنافسة أو السوق، إذ سبق أن أعلنت أن لديها فيديو كليب صورته في كندا رفقة ابنها ويحمل حنينا إلى الأم، إلى جانب مشاركاتها مع فرق موسيقية وجولات فنية خارج المغرب. وأضافت أن تجربتها في كندا جعلتها تنفتح أكثر على العمل التنظيمي والفني في الوقت نفسه، مؤكدة أنها تشتغل من خلال شركتها في إدارة عدد من التظاهرات والسهرات، وتنسج شراكات مع مهرجانات ومؤسسات مغربية، وهو ما جعل حضورها يتجاوز صورة المغنية إلى صورة الفنانة والفاعلة في المجال الثقافي. كما أشارت إلى أن من بين أولوياتها مواصلة تمثيل المغرب في التظاهرات الدولية، وإتاحة مساحة أكبر للفنانين المغاربة، خصوصا الشباب، من أجل الوصول إلى جمهور الجالية والجمهور الكندي على حد سواء.
وعبرت الكوشي في أكثر من مناسبة عن ارتباطها العميق بالمغرب، مؤكدة أن إقامتها في كندا لم تكن سببا في الابتعاد عن هويتها، بل تحولت إلى مساحة للتعريف بالثقافة المغربية وإبراز غناها. وفي حديثها عن أغنية «لطف الله الخافي»، أوضحت أن اختيار هذا العمل لم يكن اعتباطيا، خصوصا أن كلمات القصيدة تعود إلى أكثر من قرن، بينما تولى رضوان الأسمر تلحينها وأمين الزنوحي توزيعها، وتم تصوير الفيديو كليب في كندا بمشاركة طاقات مغربية. وأضافت أن العمل يجسد توجهها الفني القائم على تقديم رسائل تتصل بالتعايش والسلام واحترام الآخر، كما شددت على رغبتها في أن تكون الثقافة المغربية حاضرة في بلد إقامتها من خلال الأزياء والموسيقى والتفاصيل البصرية. وكانت قد أكدت أيضا أن الفن، في تصورها، قادر على الجمع بين المختلفين، وأن حضور مغاربة وكنديين وأشخاص من جنسيات وديانات متعددة في العمل يعكس المعنى الذي ترغب في إيصاله من خلال تجربتها الفنية.
ولا يتوقف حضور ليلى الكوشي عند الغناء، إذ تمكنت على امتداد سنوات إقامتها في كندا من بناء تجربة تجمع بين الفن والإدارة الثقافية والعمل الجمعوي، كما خاضت تجارب في التمثيل وشاركت في أعمال تلفزيونية وسينمائية، إلى جانب استمرارها في إحياء الحفلات والمشاركة في مهرجانات ذات طابع ثقافي وإنساني. ويبرز من مسارها أيضا حرصها على تقديم صورة متوازنة عن المغرب في المهجر، وهو ما تجسد في مشاركاتها بتظاهرات احتفت بالتنوع والتعايش، فضلا عن إشرافها في السنوات الأخيرة على فعاليات مغربية في كندا، من بينها تظاهرة «أوريونتاليس» بمونتريال سنة 2025، حيث تولت الإدارة الفعلية للفعالية المغربية التي عرفت مشاركة فنية مغربية وحضورا للجالية وشخصيات دبلوماسية. كما شكل توشيحها في كندا بوسام من درجة ضابط سنة 2024 محطة بارزة في مسارها، واعتبرته تكريما لمسارها الفني والتنظيمي ولجهودها في إنجاح تظاهرات تجمع ثقافات وجنسيات مختلفة.
وهكذا، تبدو تجربة ليلى الكوشي أكثر اتساعا من حدود المسار الغنائي التقليدي؛ فهي فنانة حملت صوتها من الرباط إلى كندا، ثم جعلت من إقامتها هناك جسرا متواصلا مع المغرب وثقافته وفنانيه. وبين اختياراتها الفنية الهادئة، واشتغالها في الكواليس، وحضورها في الفعاليات الثقافية، تواصل الكوشي ترسيخ تجربة تقوم على الوفاء للجذور والانفتاح على الآخر، مؤكدة أن الهجرة لم تكن نهاية علاقتها بالوطن، بل كانت بداية لمرحلة جديدة أصبح فيها الفن بالنسبة إليها وسيلة للحضور والتواصل والتعريف بالمغرب في فضاءات أوسع.