في مسار فني اتسم بالتنوع والبحث عن الشخصيات المختلفة، استطاعت زينب عبيد أن ترسخ حضورها داخل الدراما المغربية، مستفيدة من تجربة راكمتها عبر مجموعة من الأعمال التلفزيونية والسينمائية التي منحتها فرصة إبراز قدراتها في تجسيد أدوار متباينة. وبفضل حضورها الهادئ واختياراتها المتأنية، نجحت الفنانة المغربية في بناء علاقة خاصة مع الجمهور، الذي تابع تطور تجربتها وانتقالها بين شخصيات تحمل أبعادا اجتماعية وإنسانية متعددة.
وتنتمي زينب عبيد إلى جيل من الفنانين الذين اختاروا تطوير مسارهم عبر الاشتغال على الأدوار المتنوعة، حيث بصمت على حضور لافت في عدد من الإنتاجات الدرامية، كما شاركت في أعمال رمضانية حظيت بمتابعة واسعة. ولم تعتمد في مسيرتها على الظهور المتكرر خارج الأعمال الفنية، بل جعلت من أدائها واختياراتها المهنية وسيلة أساسية لترسيخ صورتها لدى الجمهور، مع حفاظها على مساحة من الخصوصية في حياتها الشخصية.
وكشفت زينب عبيد في تصريح للصحافة أن التجارب التي عاشتها على المستوى الشخصي والمهني ساهمت في تشكيل شخصيتها ومنحتها قدرة أكبر على مواجهة الضغوط والتحديات. وتحدثت عن مرحلة صعبة مرت بها خلال مسيرتها، بعدما عانت من شلل نصفي أصاب وجهها، موضحة أنها فضلت لفترة طويلة عدم الكشف عن تفاصيل هذه التجربة، لأنها لم تكن ترغب في أن تتحول معاناتها إلى مصدر للشفقة أو مادة تستغل إعلاميا، قبل أن تجد في الحديث عنها فرصة لمشاركة جانب من تجربتها مع الجمهور.
وأوضحت الفنانة أن هذه الأزمة الصحية تزامنت مع استعداداتها لتصوير مسلسل «فوق السلك»، وهو ما جعل تلك الفترة أكثر تعقيدا بالنسبة إليها، خصوصا في ظل الضغوط النفسية التي رافقت وضعها الصحي. ورغم الظروف التي واجهتها، تمسكت بمواصلة عملها ولم تسمح للأعراض التي كانت تظهر على وجهها بشكل متقطع بأن تعطل التزاماتها المهنية، وهو ما عكس إصرارا كبيرا على الحفاظ على مسارها الفني وعدم الاستسلام للظروف الطارئة.
وأضافت أن رحلة العلاج لم تكن قصيرة، بعدما تطلب الأمر استشارة عدد من الأطباء والاختصاصيين، في ظل عدم وضوح الأسباب التي كانت تقف وراء الأعراض في البداية. وبعد فترة من البحث والتشخيص، تبين أن الأمر مرتبط بمرض «لايم» الناتج عن عدوى تنقلها بعض الحشرات، وهو ما شكل بالنسبة إليها لحظة صعبة، خاصة أن طبيعة المرض أثرت على حركة جزء من الوجه وتعابيره، وهي عناصر أساسية يعتمد عليها الممثل في التعبير عن المشاعر وبناء الشخصية أمام الكاميرا.
وعلى الرغم من صعوبة تلك التجربة، استطاعت زينب عبيد التعامل معها بإصرار وثبات، وحولت آثارها النفسية إلى دافع إضافي لمواصلة مسيرتها. كما أكدت أن المرض لم يغير علاقتها بالفن ولم يدفعها إلى التراجع عن طموحاتها، بل جعلها أكثر تقديرا لقيمة القوة الداخلية والثقة بالنفس، وأقرب إلى فهم أهمية تجاوز الظروف الصعبة دون السماح لها بتحديد مستقبل الإنسان أو اختياراته.
وفي سياق آخر، عبرت زينب عبيد عن موقف واضح من النقاش المتواصل حول الجمال وعمليات التجميل داخل الوسط الفني، مؤكدة أن المظهر الخارجي لا يمكن أن يكون معيارا وحيدا للحكم على نجاح الفنان. وترى أن الموهبة والقدرة على الإقناع وتقديم أداء صادق تظل عناصر أكثر أهمية في بناء مسيرة طويلة، مشيرة إلى أن الفنان يحتاج إلى الاجتهاد المستمر وتطوير أدواته حتى يحافظ على حضوره ويكسب ثقة الجمهور.
وأبرزت أن الأدوار الاجتماعية والدرامية التي قدمتها خلال مسيرتها جعلتها أكثر اقتناعا بأن المتلقي المغربي أصبح يبحث عن المضمون الحقيقي وعن الأداء الذي يحمل إحساسا صادقا. ولذلك تميل إلى الشخصيات المركبة التي تتيح لها تقديم مستويات مختلفة من التعبير، بعيدا عن الأدوار التي تركز فقط على الصورة الخارجية، وهو ما يعكس رغبتها في جعل كل تجربة جديدة إضافة فعلية إلى مسارها الفني.
ومن جهة أخرى، تحتل الأسرة والأمومة مكانة خاصة في حياة الفنانة، إذ تعتبر أن الاستقرار العائلي ساعدها على تحقيق قدر من التوازن النفسي والإنساني، ومنحها مساحة أكثر هدوءا في مواجهة الضغوط المرتبطة بالعمل والحياة العامة. كما عبرت عن اعتزازها بتجربة الأمومة التي غيرت كثيرا من نظرتها إلى الحياة، وجعلتها أكثر نضجا في التعامل مع مسؤولياتها وفي تحديد أولوياتها الشخصية والمهنية.
وأكدت زينب عبيد أن الشهرة لا يمكنها أن تحل محل الشعور بالأمان والاستقرار الذي تمنحه الأسرة، لذلك تحرص على إبقاء جزء من حياتها الخاصة بعيدا عن الأضواء. ويبدو أن هذا الخيار ساهم في تعزيز صورتها لدى الجمهور باعتبارها فنانة تفضل أن يكون حضورها مرتبطا بأعمالها وأدائها، وليس بالأخبار الشخصية أو الجدل المتداول عبر المنصات الرقمية.
وتعكس اختيارات زينب عبيد خلال المرحلة الحالية رغبة في خوض تجارب أكثر عمقا، من خلال الاقتراب من شخصيات تحمل أبعادا نفسية وإنسانية واضحة، إلى جانب الاهتمام بمواضيع تعكس قضايا المجتمع المغربي. كما تبدو أكثر حرصا على تقديم أدوار تمنحها فرصة لتطوير أدواتها، مستفيدة من التجارب التي مرت بها ومن السنوات التي قضتها في المجال الفني.
وتؤمن الفنانة بأن الجمهور أصبح أكثر وعيا وقدرة على التمييز بين الأعمال التي تقدم محتوى حقيقيا وتلك التي تراهن على الإثارة المؤقتة، وهو ما يدفعها إلى التعامل مع مسيرتها بقدر أكبر من الانتقائية. وبين الرغبة في التجدد والتمسك بقيمة الموهبة، تواصل زينب عبيد بناء حضورها داخل الساحة الفنية المغربية، واضعة الأداء والصدق والاجتهاد في مقدمة العناصر التي ترى أنها قادرة على منح الفنان استمرارية حقيقية.