في كل مرة تعود فيها جليلة التلمسي إلى الواجهة الفنية، لا تأتي بإطلالة عابرة أو حضور يكتفي بملء الشاشة، بل تحمل معها تجربة ممثلة اختارت منذ بداياتها أن تجعل من التنوع والبحث عن الشخصيات المركبة عنوانا لمسارها. وبين الخشبة والشاشة، واصلت التلمسي بناء مسيرة تقوم على الانتقائية والاشتغال الجاد، قبل أن تعزز حضورها خلال الفترة الأخيرة بأعمال ومشاريع جديدة أعادت تسليط الضوء على علاقتها الوطيدة بالمسرح ورغبتها في تقديم تجارب تحمل قيمة فنية وإنسانية.
وتنحدر جليلة التلمسي من مدينة آسفي، وهي خريجة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، حيث شكل التكوين الأكاديمي محطة أساسية في صقل موهبتها وتطوير أدواتها في التشخيص. وبدأت مسارها التلفزيوني من خلال سيتكوم «العام طويل» سنة 2009، قبل أن تتوالى مشاركاتها في عدد من الأعمال، من بينها «راس المحاين» و«حاولوا على مستور» و«حميمو» و«جريت وجاريت» و«جانتلمان»، إلى جانب حضورها في السينما والمسرح. كما رسخت مكانتها من خلال أدوار مختلفة، من بينها شخصية «حياة» في فيلم «أسماك حمراء»، وهو الدور الذي منحها تقديرا نقديا وجوائز في عدد من التظاهرات السينمائية. وفي حديث سابق عن بدايتها، أوضحت أن الصدفة لعبت دورا في التحاقها بالمعهد، قبل أن تتحول تلك الخطوة إلى مسار مهني متكامل.
وكشفت التلمسي في تصريحات صحفية سابقة عن فلسفة واضحة في اختيار أعمالها، مؤكدة أن الجودة بالنسبة إليها تتقدم على كثرة الظهور، وأنها أصبحت أكثر حرصا على انتقاء الأدوار التي تضيف شيئا إلى تجربتها. وقالت في تصريح ل«بلادنا24» إنها تحاول اختيار أدوارها انطلاقا من تجربتها والنضج الفني الذي راكمته، مشددة على أن ما يهمها هو أن يكون العمل المقترح قادرا على إضافة جديد إلى مسارها، وأضافت أن ظهورها في عملين بمستوى جيد وتقديم شخصيات لم يشاهدها الجمهور من قبل أفضل بالنسبة إليها من المشاركة في عدد كبير من الأعمال التي لا تحمل إضافة فنية. كما أوضحت لهسبريس أن قراءة السيناريو تمثل معيارا أساسيا بالنسبة إليها، إلى جانب مناقشة العمل مع المخرج والبحث عن الجودة، حتى لا تجد نفسها أسيرة التكرار والنمطية.
وأكدت الفنانة المغربية في تصريحات أخرى أن علاقتها بالشخصية لا تنتهي عند حدود تنفيذ ما هو مكتوب في السيناريو، بل تقوم على البحث عن تفاصيل الدور ومحاولة منحه خصوصيته، وهو ما يفسر تنوع الشخصيات التي ظهرت بها خلال مسيرتها. وكانت التلمسي قد تحدثت عن جرأتها الفنية، مستحضرة تجربة حلق شعرها من أجل أحد الأدوار، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن الجرأة بالنسبة إليها ليست بحثا عن الصدمة أو الاستعراض، وإنما وسيلة لخدمة الشخصية والرسالة الفنية، مؤكدة أن لديها اختياراتها وحدودها الخاصة. كما عبرت عن رفضها تقديم أدوار تراها غير منسجمة مع قناعاتها، معتبرة أن الفن مطالب بتقديم رسائل قوية بطريقة فنية تحترم الجمهور والمجتمع.
وفي سنة 2026، واصلت جليلة التلمسي توسيع حضورها من بوابة المسرح، حيث عادت إلى الخشبة من خلال مسرحية «مواطن اقتصادي»، التي تتناول موضوع الانتخابات من زاوية نقدية، وتسلط الضوء على وعي المواطن بدوره في الحياة السياسية وعلى أهمية المسؤولية في اتخاذ القرار، ضمن قالب يجمع بين الدراما والفكاهة. كما شاركت في مسرحية «سيرينا والصياد» الموجهة إلى الأطفال رفقة فرقة «نحن نلعب للفنون»، في تجربة تجمع بين الفرجة والبعد التربوي والرسائل الإنسانية. وتكشف هذه الاختيارات عن استمرار ارتباط التلمسي بالمسرح باعتباره فضاء أساسيا للتجريب، خصوصا أن مسيرتها ظلت تجمع بين التلفزيون والسينما والركح، مع ميل واضح إلى الأعمال التي تتيح لها الاشتغال على الشخصيات والقضايا المختلفة.
ولم يكن حضور التلمسي في السنوات الأخيرة محصورا في المسرح، إذ واصلت أيضا تسجيل مشاركات سينمائية لافتة، من بينها حضورها في فيلم «الشيخة» لنبيل عيوش، إلى جانب مشاركتها في فيلم «الجميع يحب تودا»، فضلا عن أعمال أخرى عززت رصيدها السينمائي. كما سبق أن خاضت تجربة فنية خارج المغرب من خلال عمل هندي، وهي التجربة التي وصفتها بأنها جديدة ومفيدة، في وقت أكدت فيه أن المقارنة بين الصناعة السينمائية المغربية والهندية تظل صعبة بسبب اختلاف الإمكانيات وحجم الإنتاج وتعدد الاختيارات المتاحة. وفي مسارها، تظل الجوائز والتتويجات محطة تقدير، لكنها أوضحت بجلاء أن اهتمامها الأساسي ينصب على البحث عن الأدوار التي تحبها وتؤديها بصدق، وعلى منح كل تجربة مساحة كافية قبل اتخاذ قرار المشاركة فيها.
وتبدو جليلة التلمسي اليوم أكثر ميلا إلى تثبيت حضورها عبر الاختيار لا عبر كثرة الظهور، مستفيدة من تجربة طويلة جعلتها أكثر وعيا بما تريد تقديمه وما لا ترغب في تكراره. وبين المسرح الذي يمنحها مساحة مباشرة للتفاعل والتجريب، والسينما التي تتيح لها الاشتغال على شخصيات أكثر تعقيدا، تواصل التلمسي بناء مسارها بهدوء وثقة، واضعة قيمة الدور وجودة العمل في مقدمة حساباتها. ومع استمرار حضورها في مشاريع فنية مختلفة، تبدو تجربتها مرشحة لمزيد من التحولات، بما ينسجم مع فنانة جعلت من البحث عن الجديد والابتعاد عن النمطية جزءا أساسيا من هويتها الفنية.