في الوقت الذي تتغير فيه ملامح الساحة الغنائية وتتسارع وتيرة الإنتاج الفني، تواصل زينة الداودية الحفاظ على حضورها اللافت، مستندة إلى تجربة طويلة وجمهور واسع أثبت في أكثر من مناسبة أنه ما يزال وفيا لصوتها وأسلوبها الخاص. فالفنانة المغربية لم تكتف بما راكمته طوال سنوات من المسيرة، بل اختارت أن تظل قريبة من نبض جمهورها من خلال أعمال متجددة تحافظ فيها على روح الأغنية الشعبية، مع الانفتاح على إيقاعات وصيغ موسيقية تواكب الذائقة الحالية. وخلال الفترة الأخيرة، عاد اسم الداودية إلى الواجهة بقوة، بعدما حققت إصداراتها الجديدة نسب مشاهدة وتفاعلا كبيرين على المنصات الرقمية، مؤكدة مرة أخرى قدرتها على صناعة حضور جماهيري مستمر.
زينة الداودية، واسمها الحقيقي هند الحنوني، تعد من أبرز الأسماء النسائية التي ارتبط اسمها بالأغنية الشعبية المغربية، بعدما خاضت في بداية مسيرتها تجربة في لون الراي قبل أن تجد لنفسها مكانة خاصة داخل الأغنية الشعبية. وعلى امتداد سنوات، استطاعت الفنانة أن تبني هوية فنية مميزة، جعلتها حاضرة في مختلف المناسبات والمهرجانات داخل المغرب وخارجه، كما ساهم انتشار أعمالها عبر المنصات الرقمية في توسيع قاعدة جمهورها. ولم يكن هذا الحضور وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مسار طويل اختارت خلاله الداودية الحفاظ على ارتباطها بالتراث الموسيقي المغربي، مع تقديم أعمال تتسم بالتجديد والمرونة في التعامل مع مختلف الألوان والإيقاعات.
وكشف المسار الفني الأخير للداودية عن حركية واضحة في إنتاجها، إذ واصلت خلال سنة 2026 طرح مجموعة من الأغاني التي لقيت اهتماما كبيرا من الجمهور، من بينها «جيلالي»، و«عجبني زين»، و«لميمة»، و«لوكان»، و«دامي»، و«الخيل»، ثم «مريم»، التي أطلقتها في يونيو الماضي. وتندرج هذه الأعمال ضمن مرحلة فنية اتسمت بكثافة الإصدارات، حيث اختارت الفنانة طرح الأغاني بشكل متتابع بما يسمح لكل عمل بأن يأخذ مساحته الخاصة لدى المستمعين. وتبرز أغنية «مريم» بشكل خاص، بعدما كشفت المعطيات المتعلقة بها أنها تحمل توقيع الداودية على مستوى الكلمات والألحان، فيما تولى عبدو ريكوس مهمة التوزيع، ليأتي العمل في قالب غنائي مصور ينسجم مع أسلوبها في تقديم الأغاني عبر المنصات الرقمية.
وعبرت الداودية، في تصريحات صحفية حديثة، عن ارتباطها القوي بالمشهد الفني المغربي وبالتظاهرات التي تحتفي بالموروث الموسيقي الوطني، حيث تحدثت عن مشاركتها في الدورة الخامسة والخمسين للمهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش، معربة عن سعادتها وفخرها بحضورها في هذه التظاهرة الفنية والثقافية. وأضافت أن المهرجان يشكل مناسبة مهمة للاحتفاء بالتراث المغربي والتعريف به، وهو ما ينسجم مع جانب أساسي من تجربتها التي تقوم على تقديم الأغنية الشعبية لجمهور واسع مع الحفاظ على صلتها بجذورها. كما أكدت أهمية لقاء الجمهور المغربي، خصوصا في المناسبات الفنية الكبرى، وهو ما يفسر استمرار حضورها في المهرجانات والحفلات التي تستقطب أعدادا كبيرة من المتابعين.
ولم يكن التفاعل الجماهيري مع أعمال زينة الداودية مقتصرا على الحفلات والمنصات التقليدية، بل امتد بقوة إلى العالم الرقمي، حيث أصبحت أغانيها تحصد أرقاما مهمة من المشاهدات، بما يعكس استمرار قدرتها على جذب الجمهور رغم التحولات الكبيرة التي عرفتها صناعة الموسيقى. وقد حققت مجموعة من إصداراتها الأخيرة مئات الآلاف من المشاهدات، بينما تجاوزت بعض أعمالها حاجز المليون مشاهدة، وهو ما يؤكد أن حضورها لم يعد مرتبطا فقط بجمهور الأغنية الشعبية التقليدي، وإنما أصبح يمتد إلى فئات شابة تتابع إنتاجها عبر «يوتيوب» ومختلف المنصات الرقمية. ويكشف هذا التفاعل أيضا عن نجاحها في الحفاظ على معادلة تجمع بين الأصالة والتجديد، وهي المعادلة التي ساعدتها على الاستمرار في المنافسة داخل مشهد فني يعرف تغيرا سريعا في الأذواق وأنماط الاستماع.
وإلى جانب نشاطها الغنائي، بدأت الداودية خلال الفترة الأخيرة في توسيع دائرة اهتمامها بالمجال الفني، من خلال التفكير في خوض تجربة الإنتاج ومواكبة المواهب الشابة، في خطوة يمكن أن تمنح مسيرتها بعدا جديدا. فبعد سنوات من الوقوف أمام الجمهور وتقديم الأغاني، يبدو أن الفنانة تسعى إلى نقل جزء من خبرتها إلى أصوات وتجارب جديدة، وهو توجه يعكس تطور رؤيتها للمجال الفني ورغبتها في المساهمة في صناعة المشهد وليس فقط الحضور داخله. كما أن انفتاحها على هذا الجانب يأتي في مرحلة تواصل فيها إصدار أعمالها الخاصة والحفاظ على حضورها في المهرجانات والتظاهرات الفنية، ما يجعلها أمام مسار متعدد الجوانب.
وهكذا، تؤكد زينة الداودية مرة أخرى أن النجاح الفني الحقيقي لا يرتبط بمرحلة واحدة أو أغنية بعينها، وإنما بالقدرة على الاستمرار والتجدد والحفاظ على صلة قوية بالجمهور. فبين الحضور القوي في المهرجانات، والأرقام التي تحققها أعمالها على المنصات الرقمية، والمشاريع التي تطمح إلى خوضها مستقبلا، تواصل الفنانة المغربية كتابة فصل جديد من مسيرتها بثبات. وبينما تتغير الأغنية الشعبية وتتطور أدوات إنتاجها وانتشارها، تظل الداودية واحدة من أبرز الأصوات التي استطاعت أن تواكب هذه التحولات من دون أن تفقد ملامح هويتها، لتواصل حصد النجاحات وترسيخ مكانتها ضمن أبرز نجمات الأغنية الشعبية المغربية.