عزيز داداس ولطفي آيت الجاوي يعيدان سخرية الانتخابات إلى الشاشة مع اقتراب الاستحقاقات

قبل أن تبدأ صناديق الاقتراع في جذب الأنظار، بدأت ذاكرة المغاربة تستعيد مشاهد فنية سبقت موعدها، ولامست بجرأة تفاصيل ترتبط بالانتخابات والمرشحين والوعود التي ترافق كل استحقاق. ومع اقتراب الموعد الانتخابي، عادت مقاطع من أعمال مغربية ساخرة إلى منصات التواصل الاجتماعي، وكأن بعض المشاهد القديمة وجدت طريقها من جديد إلى جمهور يبحث في الكوميديا عن صور تشبه واقعه وتعيد طرح أسئلة ظلت حاضرة في النقاش العمومي.

ومن بين الأعمال التي عادت إلى دائرة الاهتمام الفيلم التلفزيوني “جرب تشوف”، بعدما بادر الممثل عزيز داداس إلى إعادة نشر مقطع منه عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي. ويجمع العمل داداس بالممثلة ماجدولين الإدريسي، فيما تولى لطفي آيت الجاوي مهمة الإخراج، ضمن تجربة اختارت الكوميديا مدخلا للاقتراب من موضوع الانتخابات وما يحيط بها من مواقف ومفارقات.

ويقدم عزيز داداس في المشهد شخصية “صالح”، الرجل البسيط الذي يجد نفسه أمام جمهور يخاطبه في أجواء انتخابية، حيث يتحول الخطاب إلى مادة للسخرية من بعض الممارسات المرتبطة بالترشح والحملات الانتخابية. ويعتمد المشهد على المفارقة وعلى تضخيم بعض المواقف، ليضع المشاهد أمام صورة ساخرة للخطاب الذي يرافق المنافسة على أصوات المواطنين.

ولم يكن داداس الوحيد الذي أعاد هذا المقطع إلى الواجهة، إذ سارعت ماجدولين الإدريسي بدورها إلى مشاركة المشهد، الأمر الذي منح العمل دفعة جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي. وهكذا عاد فيلم “جرب تشوف”، الذي سبق أن عرض سنة 2024، إلى التداول في ظرفية اكتسب فيها موضوعه راهنية خاصة، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتجدد النقاش حول علاقة الناخب بالمرشح.

وتقوم حكاية الفيلم على شخصية “صالح”، وهو شخص عادي استطاع أن يحظى بمكانة خاصة لدى الناس بفضل بساطته وقربه منهم، غير أن هذه الشعبية سرعان ما تتحول إلى عامل يجعله محط اهتمام عدد من الشخصيات النافذة التي ترى فيه مرشحا قادرا على استقطاب المواطنين. ومن هنا تنطلق مفارقات العمل، الذي يرصد بطريقة ساخرة كيف يمكن توظيف الشعبية والقرب من الناس داخل الحسابات الانتخابية.

ويفتح الفيلم من خلال هذه القصة نافذة على تفاصيل الحملات الانتخابية، من استقطاب المرشحين إلى محاولة استثمار صورتهم أمام المواطنين، مرورا بالخطابات والشعارات التي ترافق هذه المرحلة. وقد اختار لطفي آيت الجاوي أن يقدم هذه القضايا بلغة كوميدية، حتى تصبح أكثر قربا من المتلقي، من دون التخلي عن الأسئلة التي يطرحها الموضوع حول واقع الممارسة السياسية والانتخابية.

وفي تعليقه على عودة مشاهد العمل إلى التداول بعد مرور نحو عامين على عرضه، يرى آيت الجاوي أن استمرار تفاعل الجمهور مع هذه المقاطع يعكس، بالنسبة إليه، قدرة المواضيع التي تناولها الفيلم على البقاء حاضرة في الذاكرة الجماعية. كما أوضح أن معالجة موضوع الانتخابات لم تكن مهمة سهلة، خاصة في ظل ما يرافق الإنتاج التلفزيوني والسينمائي من ضوابط ورقابة وحدود عند الاقتراب من القضايا السياسية.

ويؤكد المخرج أن الكوميديا شكلت بالنسبة إليه اختيارا فنيا واعيا، لأنها تتيح تناول المواضيع الحساسة بطريقة أكثر مرونة، وتمنح الجمهور إمكانية التفاعل معها من دون الوقوع في ثقل الخطاب المباشر. لذلك حرص، حسب توضيحه، على أن تكون المشاهد الانتخابية مبنية على كتابة صادقة وأداء مقنع ورؤية إخراجية قادرة على تحويل المواقف اليومية إلى لحظات تحمل بعدا ساخرا ودلالات اجتماعية.

ويرتبط اهتمام آيت الجاوي بالانتخابات بما كان يرصده في الواقع السياسي، حيث يرى أن صورة الاستحقاقات تغيرت مقارنة بفترات سابقة. فالحماس الذي كان يرافق هذه المواعيد، بحسب قراءته، لم يعد بالحضور نفسه، بينما أصبحت الانتخابات لدى فئات من المواطنين أقرب إلى محطة دورية تنتظر موعدها، بدل أن تكون مناسبة حقيقية للصراع حول مشاريع وأفكار وبرامج قادرة على إحداث الفارق.

كما توقف المخرج عند مسألة تقارب الخطابات بين عدد من الأحزاب، إلى جانب اختلاف المواقف السياسية بحسب موقع كل حزب داخل الحكومة أو المعارضة. وهي ملاحظات شكلت، وفق تصوره، مادة خصبة للمعالجة الفنية، وحاول نقلها إلى الشاشة من خلال مواقف وشخصيات تنتمي إلى عالم الفيلم، مع مراعاة الإكراهات التي تحيط بعملية الإنتاج عندما يتعلق الأمر بمواضيع ذات حساسية سياسية.

ولا يخفي آيت الجاوي إيمانه بأن الفنان لا يستطيع أن ينفصل عن محيطه، لأن القضايا التي تشغل المواطنين يمكن أن تجد طريقها إلى المسرح والسينما وباقي أشكال التعبير. ومن هذا المنطلق، يرى أن العمل الفني لا ينبغي أن يكتفي بصناعة لحظات للفرجة، بل يمكنه أيضا أن يفتح النقاش ويترك أثرا لدى المتلقي، سواء تعلق الأمر بقضايا اجتماعية أو سياسية أو إنسانية.

وفي الوقت نفسه، لا يرى المخرج تعارضا بين تقديم فن يحمل رسائل وبين منح الجمهور فرصة للاستمتاع. فالكوميديا، بالنسبة إليه، قادرة على الجمع بين المتعة والطرح الجاد، وهو ما جعله يختار هذا الأسلوب في “جرب تشوف” حتى يقترب من الجمهور من دون تقديم خطاب سياسي ثقيل أو معالجة مباشرة، مع تمرير الأفكار من خلال المواقف الساخرة والشخصيات والمفارقات التي يصنعها العمل.

وبينما تعود مشاهد “جرب تشوف” إلى التداول في توقيت يرتبط بالانتخابات، يبدو أن الكوميديا تواصل لعب دورها في استحضار صور من الواقع بطريقة مختلفة، خصوصا عندما تعود أعمال قديمة إلى الواجهة بسبب ارتباط مضمونها بحدث جديد. أما لطفي آيت الجاوي، فيؤكد أنه لا يفكر في تحويل تجربته الفنية إلى مسار سياسي، مفضلا مواصلة عمله كمخرج وكاتب سيناريو وفنان، باعتبار أن الفن هو المساحة التي يختار من خلالها التعبير عن أفكاره ومواقفه تجاه القضايا التي تهم المجتمع.

عزيز داداس ولطفي آيت الجاوي يعيدان سخرية الانتخابات إلى الشاشة مع اقتراب الاستحقاقات