فاطمة تيحيحيت تراهن على قوة الأغنية الأمازيغية وتبرز تشبثها بالأصالة والمغربية

في زمن تتغير فيه ملامح الساحة الفنية وتتسارع فيه إيقاعات الإنتاج والاستهلاك الموسيقي، تظل بعض الأصوات قادرة على الاحتفاظ بمكانتها لأنها لا تراهن فقط على الحضور، وإنما على ذاكرة فنية وثقافية متجذرة في وجدان الجمهور. ومن بين هذه الأسماء تبرز الفنانة المغربية فاطمة تيحيحيت، التي ارتبط اسمها منذ سنوات طويلة بفن الروايس والأغنية الأمازيغية، واستطاعت أن تجعل من صوتها ومسارها الفني مساحة للتعبير عن ثقافة وهوية ظلتا حاضرتين في مختلف محطات تجربتها. وبين الحضور فوق المنصات والابتعاد أحيانا عن الشاشة، تواصل تيحيحيت التشبث باللون الذي صنعت من خلاله مكانتها، واضعة الأصالة المغربية في صلب اختياراتها الفنية ومواقفها.

وتعد فاطمة تيحيحيت، واسمها الحقيقي فاطمة بانو، من أبرز الأسماء النسائية التي بصمت مسار الأغنية الأمازيغية، حيث ارتبط لقبها بمنطقة حاحة نواحي الصويرة، وحصلت على مكانة بارزة داخل فن الروايس. وكانت بداياتها الاحترافية سنة 1983، عندما التحقت بفرقة الحاج محمد البنسير، قبل أن تؤسس سنة 1986 مجموعتها الموسيقية الخاصة، وتدخل مرحلة جديدة من مسيرتها التي مكنتها من التعامل مع عدد من الأسماء المعروفة في الفن الأمازيغي، إلى جانب مشاركتها في مهرجانات وتظاهرات فنية داخل المغرب وخارجه. كما امتد حضورها إلى مجال التمثيل، حيث شاركت في عدد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية، وهو ما جعل تجربتها تتجاوز الغناء لتلامس مجالات فنية مختلفة.

وكشفت فاطمة تيحيحيت في تصريحات صحفية حديثة أن ابتعادها عن الشاشة خلال الفترة الأخيرة لم يكن أمرا عابرا، موضحة أن وراء هذا الغياب ظروفا خاصة، ومبرزة في الوقت نفسه أنها حريصة على أن تكون اختياراتها الفنية في مستوى المسار الذي راكمته طوال سنوات. وأشارت إلى تطلعاتها المستقبلية وعلاقتها بجمهورها الذي ظل يتابع تجربتها، في موقف يعكس رغبتها في عدم تقديم أعمال لمجرد الظهور، وإنما انتظار الفرص التي تراها جديرة بحضورها الفني. ويأتي هذا التوجه منسجما مع صورة الفنانة التي بنت حضورها على التدرج والاستمرارية والارتباط بفنها، بعيدا عن منطق الحضور الإعلامي الدائم.

وعبرت تيحيحيت، في مناسبات فنية مختلفة، عن ارتباطها القوي بالأغنية الأمازيغية وبالتراث الذي تنتمي إليه، وهو ارتباط لا يظهر فقط في اختياراتها الموسيقية، وإنما أيضا في حضورها ضمن المناسبات التي تحتفي بالثقافة الأمازيغية باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الهوية المغربية. وخلال إحدى الأمسيات الفنية المخصصة للاحتفاء برأس السنة الأمازيغية، قدمت الفنانة باقة من أعمال ريبرتوارها إلى جانب أغنيات لعدد من رواد الأغنية الأمازيغية المغربية، في خطوة تعكس حرصها على إبقاء الصلة قائمة بين تجربتها الخاصة وبين الذاكرة الجماعية لفن الروايس. كما عبرت عن سعادتها بالمشاركة في هذه المناسبة، وهو ما يبرز استمرار حضورها في الفعاليات التي تمنح للتراث الأمازيغي مساحة داخل المشهد الثقافي المغربي.

وأضافت فاطمة تيحيحيت إلى مسارها الفني مواقف جعلت اسمها يحضر أيضا في النقاش العمومي، بعدما كشفت في تصريح صحفي سابق عن رفضها عروضا مغرية لإحياء سهرات في إسرائيل، مؤكدة أنها لا يمكن أن تقبل بذلك مهما كان المقابل المالي. وقد لقي موقفها تفاعلا واسعا، خصوصا أنه قدم صورة عن فنانة تربط اختياراتها الفنية بقناعاتها الشخصية، ولا تنظر إلى الفن باعتباره مجرد وسيلة للظهور أو تحقيق المكاسب. وبعيدا عن تفاصيل هذا الموقف، فإن ما يلفت في تصريحاتها هو وضوحها في التعبير عن قناعاتها، وهو ما ينسجم مع حضورها كفنانة ظلت مرتبطة بصورة المرأة الأمازيغية وبثقافة المنطقة التي تنتمي إليها.

وتكشف المسيرة الطويلة لتيحيحيت أن حضورها في الساحة الفنية لم يكن قائما على موجة عابرة، بل تأسس على سنوات من الاشتغال على الأغنية الأمازيغية وفن الروايس، وعلى علاقة متينة بجمهور وجد في صوتها امتدادا لذاكرته الثقافية. ومن خلال استمرارها في المشاركة في التظاهرات الفنية، وحرصها على اختيار الأعمال التي تتناسب مع تجربتها، تبدو الفنانة حريصة على الحفاظ على قيمة الاسم الذي صنعته عبر عقود، مع ترك الباب مفتوحا أمام تجارب جديدة تليق بمسارها. وهكذا تواصل فاطمة تيحيحيت حضورها باعتبارها واحدة من الأصوات التي ساهمت في إبراز الأغنية الأمازيغية داخل المشهد المغربي، محافظة على خصوصيتها الفنية وعلى تشبثها بالأصالة والمغربية، ومؤكدة أن قوة الفنان لا تقاس فقط بعدد الإطلالات، وإنما بما يتركه من أثر في ذاكرة الجمهور.

فاطمة تيحيحيت تراهن على قوة الأغنية الأمازيغية وتبرز تشبثها بالأصالة والمغربية