حين تتحول أصعب المحطات في حياة الفنان إلى مساحة للإبداع، يصبح الفن أكثر من مجرد وسيلة للترفيه، ويتحول إلى لغة لمواجهة التجربة ومصالحتها وإعادة تقديمها للجمهور بصورة مختلفة. هذا ما اختاره الكوميدي والممثل المغربي حمزة الفيلالي، الذي عاد خلال الفترة الأخيرة إلى الواجهة الفنية بعد مرحلة فرضت عليه الابتعاد عن الأضواء، حاملا معه رغبة واضحة في استعادة حضوره وتجديد صلته بجمهوره. وبين الشاشة والركح والمشاريع الجديدة، يبدو الفيلالي مصمما على تحويل ما عاشه إلى مادة فنية تحمل بصمته، وعلى جعل المرحلة المقبلة امتدادا لمسار لم يفقد فيه شغفه بالكوميديا والفن.
يعد حمزة الفيلالي من الأسماء التي راكمت حضورا لافتا في المشهد الفني المغربي، بعدما جمع بين التنشيط التلفزيوني والكوميديا والتمثيل، وتمكن بأسلوبه القريب من الجمهور وحضوره العفوي من بناء قاعدة جماهيرية واسعة. ولم يقتصر مساره على الكوميديا والعروض الفنية، بل خاض أيضا تجارب في التمثيل، من بينها مشاركته في أعمال مثل «العاطي الله» و«الدرب» و«ولاد علي» و«قيسارية أوفلا» و«باب البحر»، إضافة إلى حضوره في برنامج «سترايك». وخلال رمضان 2026، عزز الفيلالي رصيده التمثيلي بمشاركته في السلسلة الكوميدية الاجتماعية «با لحبيب»، إلى جانب عبد الله فركوس وفاطمة وشاي وحسن فولان وحسناء مومني وزهير زائر، وهي تجربة أعاد من خلالها التأكيد على استمراره في تنويع حضوره بين مختلف أشكال الفرجة.
وكشف في تصريحات ورسائل إعلامية حديثة أن المرحلة الحالية بالنسبة إليه تقوم على طي صفحة الماضي والتطلع إلى المستقبل، بعدما وجد في الفن مساحة لاستعادة التوازن والتواصل مع الجمهور. وكان الفيلالي قد عبر، عقب مشاركته في عرض «Mode Avion» للفنان رشيد رفيق، عن امتنانه لكل من سانده خلال الفترة الصعبة التي مر بها، قبل أن يعلن استعداده لمواصلة الاشتغال على مشاريع فنية جديدة، متمنيا أن تنال إعجاب جمهوره. وأضاف أن عودته لا تأتي بمعزل عن الدعم الذي تلقاه من زملائه والجمهور، مؤكدا رغبته في استثمار هذه المرحلة من أجل تقديم أعمال جديدة ومواصلة مساره الفني بروح مختلفة.
وفي خطوة جسدت بشكل واضح رغبته في تحويل التجربة الشخصية إلى إبداع، اختار حمزة الفيلالي العودة إلى خشبة المسرح من خلال عرضه الكوميدي الجديد «شيك أوت»، الذي استمد جزءا كبيرا من مضمونه من تجربة شخصية عاشها خلال الفترة الماضية. وأوضح الفيلالي في رسالته إلى جمهوره أن الإنسان، وسط الأزمات، يفكر في الأشياء التي يحبها والأشخاص الذين يشعر بالراحة بينهم، وهو ما دفعه إلى تقديم عرضه الجديد ومشاركة الجمهور تجربته «بحلوها ومرها وبالطريقة التي يعرفها». كما قدم العمل باعتباره مساحة لتحويل الأخطاء والصعوبات إلى لحظات للضحك والتأمل، في محاولة لإعادة صياغة تجربة ثقيلة بلغة الكوميديا التي اشتهر بها.
ولم يتوقف حضور الفيلالي عند المسرح، إذ شكلت مشاركته في «با لحبيب» خلال رمضان 2026 محطة أخرى ضمن عودته التدريجية إلى الساحة الفنية. وقد جاء العمل في قالب كوميدي اجتماعي من إخراج يونس الركاب وتأليف كوثر المطواع، وتناول قصة أب يجد نفسه أمام مواقف عائلية متشابكة بعد انتقاله للعيش مع أبنائه، قبل أن تتطور الأحداث في اتجاهات تجمع بين الطرافة والرسائل الاجتماعية. وشارك الفيلالي في بطولة السلسلة إلى جانب نخبة من الأسماء المعروفة، ما أتاح له استعادة حضوره التلفزيوني بالتوازي مع اشتغاله على العرض المسرحي الجديد. وتكشف هذه الخطوات عن رهان واضح على تعدد الواجهات الفنية، وعدم حصر تجربته في مجال واحد، خصوصا أن مساره سبق أن جمع بين التنشيط والكوميديا والتمثيل.
وعبر الفيلالي أيضا، خلال عودته الأخيرة إلى منصاته الرقمية، عن انشغاله بالتحضير لمشاريع فنية جديدة، موضحا أن غيابه المؤقت عن مواقع التواصل لم يكن قرارا بالابتعاد عن جمهوره، وإنما ارتبط بمشكلة تقنية حالت دون ولوجه إلى حسابه على «إنستغرام». وأكد أن الفترة التي قضاها بعيدا عن التفاعل الرقمي استغلها في التركيز على أعمال ومشاريع يسعى من خلالها إلى تقديم محتوى مختلف يرضي متابعيه، وهو ما ينسجم مع رغبته المعلنة في فتح صفحة جديدة فنيا. ويبدو أن هذه الرؤية تتجاوز مجرد العودة إلى الأضواء، لتؤسس لمرحلة يحاول فيها الفنان الاستفادة من تجاربه السابقة، وتحويلها إلى مصدر للأفكار والمواقف الكوميدية، مع الحفاظ على القرب الذي ميز علاقته بجمهوره منذ بداياته.
وبين تجربة شخصية تحولت إلى عرض كوميدي، وحضور تلفزيوني جديد، ومشاريع أخرى قيد التحضير، يواصل حمزة الفيلالي إعادة ترتيب موقعه داخل الساحة الفنية بخطوات متدرجة ومدروسة. فالفنان الذي اختار مواجهة تفاصيل تجربته بالسخرية والإبداع، يبدو اليوم أكثر إصرارا على النظر إلى المستقبل بدل التوقف عند ما مضى، واضعا أمامه هدفا واضحا يتمثل في مواصلة العطاء وإيجاد مساحات جديدة للتواصل مع الجمهور. ومع استمرار اشتغاله على أعمال مختلفة، تظل المرحلة المقبلة مفتوحة أمام اختيارات فنية قد تمنحه فرصة أخرى لتأكيد قدرته على تحويل التجربة إلى فرجة، والواقع إلى مادة تحمل الضحك والرسالة في الوقت نفسه.