حين يتعلق الأمر بفنانة استطاعت أن تجعل من التنوع عنوانا لمسيرتها، فإن اسم فاطمة الزهراء بناصر يفرض نفسه بقوة داخل المشهد الفني المغربي، بعدما نجحت خلال السنوات الماضية في الانتقال بين شخصيات مختلفة، والاقتراب من أدوار لم تكن متشابهة في تركيبتها أو طبيعتها. ولم يكن حضورها أمام الكاميرا قائما على البحث عن الظهور فقط، وإنما ارتبط برغبة واضحة في خوض تجارب تمنحها فرصة لاختبار قدراتها والابتعاد عن الشخصيات النمطية. وبين الدراما الاجتماعية والأعمال التي تحمل طابعا إنسانيا، استطاعت بناصر أن تراكم مجموعة من التجارب التي جعلتها قريبة من الجمهور، وأن تثبت في كل محطة جديدة أن الممثل الحقيقي يستطيع أن يعيد اكتشاف نفسه كلما وجد الشخصية التي تستفزه فنيا. ومع توالي أعمالها، يبدو أن الفنانة المغربية دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأبرز التجدد، خصوصا مع مشاركاتها الأخيرة واستعدادها للظهور في عمل درامي جديد يضعها في صدارة الأحداث.
وكشفت فاطمة الزهراء بناصر في تصريحات صحفية أن علاقتها بالأدوار تقوم بالأساس على التحدي، موضحة أنها تحاول دائما البحث عن الشخصيات التي تخرجها من ذاتها ومن تفاصيل حياتها اليومية، وتدفعها إلى اكتشاف عوالم جديدة. وأضافت أن اختلاف الشخصيات يمثل بالنسبة إليها فرصة حقيقية للتعلم والتطور، لأن كل دور يفرض على الممثل طريقة مختلفة في التفكير والأداء والتعامل مع تفاصيل الشخصية. وعبرت عن رغبتها في الابتعاد عن التكرار، مؤكدة أن دخول الممثل إلى حياة شخصيات أخرى يجعله يعيش تجارب لا يمكن أن يعيشها بالضرورة في حياته العادية، وهو ما يمنح المهنة بالنسبة إليها قيمة خاصة. كما شددت في حديثها عن تجربتها الفنية على أهمية السيناريو وجودة الشخصية، معتبرة أن النص يشكل أساسا مهما في نجاح العمل، وأن الممثل يحتاج إلى شخصية تحمل أبعادا حقيقية حتى يتمكن من تقديم أداء مقنع وقريب من المشاهد. وتعكس هذه التصريحات حرص بناصر على أن تكون مشاركاتها المقبلة امتدادا لمسار يقوم على الاختيار والتجريب، وليس مجرد الحضور المتكرر على الشاشة.
وخلال مسيرتها، قدمت فاطمة الزهراء بناصر مجموعة من الأعمال التي رسخت صورتها لدى الجمهور، وكان من بينها مسلسل «بنات الحديد»، الذي عرض خلال رمضان 2023 وشكل إحدى المحطات المميزة في مسارها، حيث قدمت من خلاله شخصية قوية ومركبة، وأظهرت قدرة واضحة على التعامل مع أجواء الدراما الاجتماعية والشخصيات التي تحمل صراعات داخلية وخارجية. كما سبق أن شاركت في أعمال أخرى مثل «دار الضمانة» و«الغريبة» و«عز المدينة» و«قلوب تائهة»، إلى جانب مسلسل «عايشة» الذي حظي باهتمام واسع وحقق حضورا لافتا لدى المشاهدين. وقد ساهم هذا التنوع في الأدوار في تعزيز مكانتها داخل الساحة الفنية، خصوصا أن الفنانة لم تحصر نفسها في شخصية واحدة، بل اختارت الانتقال من دور إلى آخر، وهو ما جعل الجمهور يكتشف في كل تجربة جانبا مختلفا من إمكاناتها التمثيلية. وتأتي هذه الأعمال ضمن مسار طويل تسعى من خلاله بناصر إلى بناء تجربة قائمة على التعدد والبحث عن الشخصيات التي تضيف قيمة إلى رصيدها الفني.
وفي مرحلة أحدث، واصلت بناصر حضورها من خلال مسلسل «على غفلة»، الذي جسدت فيه شخصية «صونيا»، وهي شخصية مختلفة في تركيبتها وحضورها، ضمن عمل درامي يتناول مجموعة من القضايا الاجتماعية المرتبطة بحياة المرأة والصعوبات التي يمكن أن تواجهها في محيطها. وقد شكلت مشاركتها في هذا العمل محطة جديدة في مسارها، خاصة أنها جاءت بعد النجاح الذي حققته في عدد من الأعمال السابقة، وعلى رأسها «بنات الحديد». وكشفت الفنانة من خلال تفاعلها مع العمل وكواليسه عن حماسها للتجربة، كما حرصت على مشاركة جمهورها جوانب من التحضيرات والإطلالات المرتبطة بالشخصية، وهو ما ساهم في رفع مستوى الاهتمام بالدور قبل عرض المسلسل. ويأتي «على غفلة» ضمن سلسلة الأعمال الحديثة التي تؤكد من خلالها بناصر رغبتها في تغيير الشخصيات وعدم البقاء في منطقة فنية واحدة، وهو توجه يبدو واضحا في اختياراتها خلال الفترة الأخيرة، التي انتقلت فيها من الدراما الاجتماعية إلى شخصيات أكثر تركيبا وتشويقا.
أما الخطوة الجديدة في مسيرتها فتتمثل في مسلسل «بنت البلاد»، الذي تتصدر فاطمة الزهراء بناصر بطولته إلى جانب مجموعة من الأسماء الفنية المغربية، في عمل من إخراج إدريس الروخ. وكان المشروع يحمل في البداية عنوان «فطومة»، قبل أن يتم تغييره إلى «بنت البلاد»، في إطار الاستعداد لتقديمه للجمهور. ويقدم العمل قصة اجتماعية تقوم على شخصية امرأة مغربية تواجه مجموعة من التحديات، وتدخل في صراعات مرتبطة بسلطة المال والنفوذ، بينما تحاول بناء مستقبلها والدفاع عن كرامتها ومحيطها. ويضم المسلسل ثلاثين حلقة، ويشارك فيه إلى جانب بناصر كل من عزيز الحطاب وطارق البخاري وحسن فولان وسعيد باي ومحمد كافي وعدد من الفنانين المغاربة، كما وقع الاختيار على الفنانة دنيا بطمة لأداء أغنية الشارة الخاصة بالعمل. وكانت بناصر قد أنهت تصوير العمل في وقت سابق، قبل أن يدخل مرحلة الاستعداد للعرض، وهو ما جعل «بنت البلاد» من أبرز مشاريعها الجديدة التي يترقبها الجمهور، خاصة أنها تقود من خلاله شخصية رئيسية داخل عمل يراهن على الدراما والتشويق والطرح الاجتماعي.
وبين الأعمال التي عرضت وحققت لها حضورا لدى الجمهور، والمشاريع الجديدة التي تستعد للظهور، تواصل فاطمة الزهراء بناصر بناء مسارها الفني بخطوات تقوم على التنوع والمغامرة في اختيار الشخصيات. فقد كان «بنات الحديد» إحدى المحطات البارزة التي كشفت عن قدرتها على تقديم شخصية قوية، ثم جاء «على غفلة» ليمنحها مساحة أخرى للانتقال إلى شخصية مختلفة، قبل أن تصل إلى مرحلة جديدة مع «بنت البلاد»، الذي تراهن من خلاله على مواصلة الحضور في الدراما المغربية بشخصية رئيسية تحمل الكثير من التحديات والصراعات. وبينما يترقب الجمهور العمل الجديد وما ستقدمه فيه، تبدو بناصر أكثر تمسكا بالفكرة التي رافقت مسيرتها منذ البداية، وهي أن كل دور يجب أن يكون فرصة جديدة للتعلم والتغيير واكتشاف جانب آخر من الموهبة. وهكذا، لا تبدو تجربتها مجرد سلسلة من المشاركات المتتالية، وإنما رحلة فنية تحاول فيها الفنانة باستمرار أن تترك لكل مرحلة بصمتها الخاصة، وأن تجعل من كل شخصية جديدة خطوة إضافية في مسارها نحو مزيد من النضج والحضور والتنوع.