في المشهد الفني المغربي، هناك أسماء لا ترتبط فقط بالأدوار التي جسدتها، بل تصبح جزءا من ذاكرة الجمهور بفضل أسلوبها الخاص وحضورها القريب من المتلقي. ومن بين هذه الأسماء يبرز الفنان بنعيسى الجيراري، الذي استطاع على امتداد سنوات طويلة أن يحافظ على مكانته داخل الساحة الفنية المغربية، جامعا بين التجربة المسرحية والتلفزيونية والسينمائية، ومقدما شخصيات متنوعة جعلته من الوجوه المحبوبة لدى الجمهور. فمساره لم يكن مبنيا على الحضور العابر، بل على تراكم فني اختار خلاله أن يمنح لكل دور خصوصيته وأن يظل وفيا لفكرة أن الممثل الحقيقي يصنع الفرق بقدرته على الإقناع والتجديد.
يعد بنعيسى الجيراري من الفنانين المغاربة الذين راكموا تجربة مهمة في مجال التمثيل، حيث رأى النور بمدينة الرباط سنة 1967، وتخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية سنة 1989، قبل أن يخوض مسارا فنيا جمع بين المسرح والتلفزيون والسينما. وكانت بداياته من خلال أعمال تلفزيونية ومسرحية ساهمت في التعريف بموهبته، من بينها مسلسل “دواير الزمان”، إضافة إلى مشاركته في عدد من المسرحيات والأعمال الدرامية التي عززت حضوره في الساحة الفنية. كما اشتهر لدى الجمهور المغربي بشخصياته القريبة من الحياة اليومية وبأسلوبه الذي يمزج بين الحس الكوميدي والقدرة على تقديم أدوار ذات أبعاد مختلفة.
وكشف بنعيسى الجيراري في تصريحات صحفية سابقة له أن تقييم الأعمال الرمضانية والفنية بشكل عام يجب أن يكون مبنيا على فهم مختلف مراحل إنتاج العمل، موضحا أن الممثل لا يتحمل وحده مسؤولية جودة أي مشروع فني، لأن نجاح العمل يرتبط بتكامل جهود مجموعة من المتدخلين، من كتابة وإخراج وإنتاج وظروف الاشتغال. وأضاف في حديثه مع “أخبارنا المغربية” بخصوص الانتقادات التي تطال بعض الأعمال الرمضانية أن الحكم على أي تجربة فنية يحتاج إلى رؤية شاملة، مشيرا إلى أن الفنانين يشتغلون داخل منظومة لها تحدياتها وإكراهاتها.
وعبر الفنان بنعيسى الجيراري في أكثر من مناسبة عن اهتمامه بالقضايا التي تخص الفنان المغربي ومكانته داخل المجتمع، مؤكدا أن الممثل يحتاج إلى التقدير والاعتراف بقيمة المجهود الذي يبذله، خاصة أن الفن ليس مجرد ظهور أمام الكاميرا، بل هو مسار طويل يتطلب التكوين والصبر والتجربة. كما تحدث عن أهمية الدفاع عن حقوق الفنانين، معتبرا أن تحسين وضعية العاملين في المجال الفني يساهم في تطوير الإنتاجات الوطنية ورفع مستوى الأعمال المقدمة للجمهور.
وخلال مسيرته، ظل بنعيسى الجيراري حاضرا في مجموعة من المشاريع التي تنوعت بين الدراما والكوميديا، وهو ما جعله قادرا على الانتقال بين أنماط مختلفة من الأداء دون أن يفقد خصوصيته الفنية. فاختياراته للأدوار تعكس رغبة في تقديم شخصيات تحمل ملامح إنسانية وتترك أثرا لدى المشاهد، بعيدا عن الاقتصار على نمط واحد من الأدوار. وقد استطاع بفضل خبرته الطويلة أن يحافظ على علاقة خاصة مع الجمهور الذي يتابع أعماله ويقدر حضوره المميز على الشاشة والمسرح.
ويواصل بنعيسى الجيراري مسيرته داخل الفن المغربي بإصرار على الحفاظ على قيمة التجربة التي راكمها، مؤمنا بأن الاستمرارية الحقيقية لا تتحقق فقط بكثرة المشاركات، وإنما بقدرة الفنان على تقديم أعمال تضيف إلى رصيده وتحافظ على ثقة الجمهور. وبين الكوميديا والدراما والمسرح، يبقى اسمه مرتبطا بجيل من الفنانين الذين ساهموا في بناء المشهد الفني المغربي، واضعين الموهبة والتجربة في صلب حضورهم الإبداعي.