تواصل السينما المغربية تقديم أسماء فنية استطاعت أن تفرض نفسها عبر أعمال تحمل حسا إنسانيا عميقا، وتفتح أسئلة مرتبطة بالذاكرة والهوية والتجربة الإنسانية، حيث تتحول المهرجانات السينمائية إلى فضاءات للاعتراف بالأداءات التي تجمع بين الإحساس والاحتراف.
حصلت الممثلة المغربية خلود بطيوي على جائزة أفضل دور نسائي عن أدائها في الفيلم السينمائي “شذرات”، وذلك ضمن فعاليات الدورة الرابعة عشرة من المهرجان الدولي للفيلم بالداخلة، الذي عرف منافسة قوية بين 19 فيلما روائيا ووثائقيا قدمت من مدارس وتجارب سينمائية مختلفة، ما جعل التتويج يحمل قيمة فنية إضافية داخل سياق تنافسي متنوع.
وجاء هذا التتويج مناصفة مع الممثلة المصرية ضحى رمضان عن دورها في فيلم “عيد ميلاد سعيد”، في نتيجة لقيت تفاعلا واسعا لدى المتتبعين والنقاد، الذين اعتبروا أن كلا الأداءين اتسم بعمق واضح وقدرة لافتة على تجسيد شخصيات معقدة ومشحونة بالمشاعر الإنسانية، ما منح الجائزة بعدا احتفاليا يعكس تقاطع التجارب الفنية العربية.
وعرف فيلم “شذرات” بدوره إشادة إضافية داخل المهرجان، بعدما تمكن من التتويج بجائزة لجنة التحكيم، وهو ما أكد مكانته كعمل سينمائي متكامل استطاع أن يجمع بين الرؤية الفنية والاشتغال الدرامي على موضوع الذاكرة، حيث قدم معالجة حساسة لعلاقة الإنسان بالماضي وما يتركه من أثر في الحاضر.
ويقوم البناء السردي للفيلم على فكرة الذاكرة باعتبارها محورا مركزيا، إذ تتقاطع ثلاث حكايات تمتد بين مدينتي الرباط ومكناس، لتشكل نسيجا إنسانيا معقدا يجمع بين الفقد والحنين والمرض والحب، في معالجة سينمائية تحاول تفكيك العلاقة بين الإنسان وتاريخه الشخصي، وكيف تتحول التفاصيل الصغيرة إلى شذرات متفرقة يصعب جمعها مع مرور الزمن.
وتتمحور إحدى القصص حول شخصية “غيثة”، مغنية ملحون تواجه مرض الزهايمر الذي يسرق منها ذاكرتها تدريجيا، فتجد نفسها متشبثة ببقايا ألحان وصور تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، في رحلة داخلية مؤثرة تحاول من خلالها الحفاظ على ما تبقى من هويتها الفنية والعاطفية، بينما تتقاطع قصتها مع حكاية “القائد”.
وهو رجل يعيش في الرباط مثقلا بذكريات حرب الرمال التي تحولت إلى عبء نفسي متواصل، لتتحول علاقته بابنته إلى مسار إنساني يسعى إلى إعادة بناء ذاكرة متصدعة داخل عمل جمع طاقما فنيا متنوعا وساهم في تقديم رؤية سينمائية تعتمد على التداخل بين الشخصيات والذاكرة والوجدان.