من جديد، يعود الجدل حول استغلال التراث الموسيقي المغربي ليتصدر النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أثارت أغنية جزائرية جديدة موجة من الانتقادات بسبب التشابه الذي لاحظه متابعون بينها وبين إحدى أشهر الأغاني الكناوية المغربية. ويتعلق الأمر بأغنية «عيونا تيساع» التي قدمها الممثل الكوميدي الجزائري محمد خساني، والتي أعادت إلى الواجهة اتهامات متجددة بشأن إعادة توظيف الألحان المغربية دون الإشارة بوضوح إلى أصولها، وسط مطالب متزايدة بحماية الموروث الفني المغربي وصون حقوق مبدعيه.
وأثار العمل الجديد استياء عدد من المغاربة الذين اعتبروا أن التشابه الملحوظ بين ألحانه وأغنية «الله ابابا ميمون» يتجاوز حدود المصادفة الموسيقية، ويفتح الباب مجددا أمام التساؤلات المتعلقة بكيفية التعامل مع الأغاني التراثية المغربية، خصوصا عندما يعاد تقديمها في أعمال جديدة دون توضيح مصادرها أو الإشارة إلى جذورها الفنية والثقافية.
وتداول متابعون تعليقات انتقادية عبروا من خلالها عن رفضهم لما وصفوه بتكرار حالات السطو على التراث الموسيقي المغربي، معتبرين أن الأغاني الشعبية التي تناقلتها الأجيال وأسهم فنانون مغاربة في الحفاظ عليها تستحق الاعتراف بأصولها واحترام قيمتها التاريخية والثقافية، بدل إعادة تقديمها بطريقة قد توحي بأنها تنتمي إلى سياق فني مختلف.
وتوجد أغنية «الله ابابا ميمون» ضمن الذاكرة الموسيقية المرتبطة بفن كناوة، الذي يشكل أحد أبرز مكونات التراث الفني المغربي، بما يحمله من إيقاعات مميزة وأبعاد ثقافية وروحية متجذرة. وقد ساهمت أجيال من المعلمين والفنانين في الحفاظ على هذا اللون الموسيقي ونقله إلى الجمهور داخل المغرب وخارجه، الأمر الذي يجعل أي نقاش بشأن استخدام ألحانه مناسبة للتأكيد على أهمية توثيق هذا الموروث وحماية حقوق المرتبطين به.
ويرى منتقدو الأغنية الجديدة أن استلهام التراث الموسيقي ينبغي أن يقترن بالشفافية والاعتراف بالمصادر، خاصة عندما يتعلق الأمر بألحان ارتبطت بأعمال معروفة في الوجدان الشعبي. ويؤكد هؤلاء أن احترام الموروث الثقافي لا يقتصر على استخدام الإيقاعات والألحان، بل يشمل أيضا الإشارة إلى أصولها وتقدير الجهود التي بذلها الفنانون في الحفاظ عليها وتطويرها.
وفي المقابل، يظل التمييز ضروريا بين استلهام التراث الشعبي، الذي تتداخل فيه الروايات الشفوية والتقاليد الموسيقية عبر الأجيال، وبين إعادة استخدام عمل فني محدد دون مراعاة الحقوق المرتبطة به. فالتشابه الموسيقي وحده لا يكفي للحسم في وجود سطو فني، إذ يتطلب الأمر التحقق من طبيعة الألحان ومصادرها، ومدى ارتباطها بعمل أصلي محدد، فضلا عن الظروف التي جرى فيها استخدامها.
وتعيد هذه القضية تسليط الضوء على أهمية توثيق الأغاني التراثية المغربية، وتعزيز الوعي بحقوق المؤلف والحقوق المرتبطة بالأداء والتسجيلات، إلى جانب ضرورة تحلي الفنانين بالمسؤولية عند التعامل مع الموروث الثقافي لبلدانهم أو لبلدان أخرى. فحماية التراث لا تعني إغلاق الباب أمام التبادل الفني، وإنما ضمان أن يتم هذا التبادل في إطار من الاحترام والاعتراف بالمصادر.
وبين موجة الانتقادات التي رافقت أغنية «عطيونا تيساع» والمطالب المتجددة بصون الهوية الموسيقية المغربية، يعود النقاش حول حدود الاقتباس الفني وضرورة احترام الذاكرة الثقافية إلى الواجهة، في انتظار اتضاح المعطيات المتعلقة بأوجه التشابه المثارة. ويبقى الحفاظ على التراث المغربي مسؤولية جماعية تتطلب التوثيق والإنصاف والاعتراف بإسهامات الفنانين الذين جعلوا من هذا الموروث جزءا أصيلا من الهوية الثقافية للمملكة.
قد يعجبك ايضا