في وقت تتجه فيه الساحة الغنائية نحو الإيقاعات السريعة والأعمال التي تراهن على الانتشار السريع، تختار شيماء عمران أن تسلك طريقا أكثر هدوءا وعمقا، واضعة إحساسها وصوتها وقدرتها على التعامل مع الألوان الطربية في صدارة اختياراتها الفنية. الفنانة المغربية التي استطاعت أن تلفت الأنظار عربيا خلال مشاركتها في برنامج «إكس فاكتور»، عادت خلال سنة 2026 بعمل جديد يؤكد أن حضورها لم يكن مرتبطا فقط بنجاح تلفزيوني عابر، وإنما برغبة واضحة في بناء تجربة غنائية تستند إلى الهوية المغربية، مع الانفتاح في الوقت نفسه على الموسيقى المعاصرة. ويأتي إصدار «عييت نكابر» ليكشف جانبا جديدا من هذه الرؤية، بعدما اختارت من خلاله إعادة تقديم روح الملحون في قالب حديث قادر على الوصول إلى جمهور اليوم.
شيماء عمران فنانة ومطربة مغربية شابة راكمت تجربة في الغناء الطربي والموشحات الأندلسية وفن المديح والسماع، قبل أن تحظى باهتمام واسع لدى الجمهور العربي من خلال مشاركتها في الموسم الأول من برنامج «إكس فاكتور» سنة 2023. وخلال المنافسة، قدمت مجموعة من الأغنيات التي أظهرت قدرتها على الانتقال بين الألوان الغنائية المختلفة، من بينها أعمال من التراث والطرب العربي، ما مكنها من نيل إشادة أعضاء لجنة التحكيم، وفي مقدمتهم راغب علامة وأنغام وعبد الله الرويشد. كما كانت تجربتها في البرنامج محطة مهمة في توسيع حضورها خارج المغرب، خصوصا بعدما وصلت إلى المرحلة النهائية وقدمت على المسرح أداءات أكدت تمسكها باللون الطربي وقدرتها على التحكم في طبقات صوتها والتفاعل مع الأعمال الكلاسيكية.
وكشفت شيماء عمران في تصريحات صحفية حديثة تزامنت مع إطلاق أغنيتها الجديدة «عييت نكابر» أنها تسعى من خلال هذا العمل إلى الجمع بين أصالة الملحون وروح الموسيقى المعاصرة، موضحة أن هدفها هو تقديم التراث المغربي إلى الجيل الجديد بأسلوب يحترم ذائقته ويراعي تطلعاته. وجاءت الأغنية ثمرة تعاون فني جمعها بالشاعر محمد المغربي الذي كتب الكلمات، والفنان مهدي مزين الذي وضع الألحان في أول تعاون بينهما، بينما تولى مادارا مهمة التوزيع الموسيقي، في حين اختارت شيماء أن تتكفل بنفسها بإنتاج العمل، وهو ما يعكس رغبتها في امتلاك مساحة أكبر من الاستقلالية في اختياراتها الفنية. ويأتي هذا التوجه امتدادا لقناعة عبرت عنها سابقا، إذ سبق أن أكدت في حديث صحفي أن تنوع أعمالها يمثل بالنسبة إليها قيمة مهمة، خصوصا من خلال تجربة «طاوعك قلبك» التي وصفتها بأنها تجربة جديدة وفريدة، إلى جانب «كتاب الحب» الذي مزج بين الدارجة والفصحى وحافظ على روح الأغنية المغربية مع توزيعات حديثة.
وتؤكد مسيرة شيماء عمران أن ارتباطها بالطرب الأصيل ليس وليد المرحلة الحالية، فقد سبق لها أن اشتغلت على مجموعة من الألوان الفنية التي تنتمي إلى التراث المغربي والعربي، كما قدمت أعمالا خاصة من بينها «حنين» و«كتاب الحب» و«طاوعك قلبك» و«طبع الهوى». وفي حديثها عن «طبع الهوى»، أوضحت أن العمل ينتمي إلى الأغنية العربية ذات اللهجة السعودية ويحمل طابعا عاطفيا ورومانسيا، بينما سبق أن شرحت بخصوص «طاوعك قلبك» أنها اختارت من خلاله اللون الطربي الخليجي مع الحفاظ على مساحة للتجديد والتنوع. وتكشف هذه الاختيارات عن مسار فني لا يقوم على الالتزام بلون واحد، وإنما يحاول الجمع بين المدرسة الطربية والأغنية الحديثة، وهو ما ظهر بوضوح كذلك خلال تجربتها في «إكس فاكتور»، حيث قدمت أعمالا من مشارب مختلفة دون أن تفقد بصمتها الخاصة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه شيماء عمران تطوير مشروعها الغنائي، يبدو أن حضورها الفني بات يحظى بتقدير يتجاوز حدود الجمهور الذي تابعها في برامج اكتشاف المواهب، إذ حظيت خلال يوليوز 2026 بإشادة لافتة من الموسيقار المصري مجدي الحسيني، الذي أثنى على إمكانياتها الصوتية وإحساسها في الأداء، واعتبرها من الأصوات الواعدة القادرة على ترك بصمتها في الساحة العربية. كما ذهب إلى تشبيهها ب«أم كلثوم المغرب»، في إشادة تعكس حجم الانطباع الذي تركه صوتها وأداؤها لدى موسيقيين من أصحاب الخبرة. وبين هذه الشهادة وبين اختيارها الأخير للملحون في «عييت نكابر»، ترسم شيماء عمران ملامح مرحلة جديدة تبدو فيها أكثر تمسكا بهويتها الفنية وأكثر وعيا بالمسار الذي تريد أن تبنيه، لتثبت أن الوصول إلى الجمهور لا يحتاج دائما إلى التخلي عن الأصالة، بل يمكن أن يتحقق حين تجد الذاكرة الموسيقية طريقها إلى الأذن الحديثة بلغة فنية متجددة.