تعد مدينة مكناس واحدة من أهم الحواضر المغربية التي احتضنت عبر تاريخها الطويل أشكالا فنية وصناعات تقليدية راقية، من بينها فن “الديمسقي” الذي يعتبر أحد الفنون الزخرفية الدقيقة التي تعكس مهارة الحرفيين المغاربة وذوقهم الرفيع. هذا الفن ليس مجرد تقنية في الزخرفة، بل هو تعبير جمالي متكامل يجمع بين الإبداع اليدوي والدقة الهندسية، ويعكس في الوقت نفسه روح المدينة العريقة التي عرفت بعمارتها السلطانية وأسوارها التاريخية ومعالمها التي تحمل بصمة حضارية مميزة. وفي السنوات الأخيرة، عاد الاهتمام بهذا الفن ليبرز كجزء مهم من الهوية الثقافية لمكناس ومنظومة الصناعة التقليدية المغربية.
أصل فن الديمسقي وخصوصيته في مكناس:
يرتبط فن الديمسقي ارتباطا وثيقا بالتراث الحرفي المغربي، ويعتقد أنه تأثر بتقاليد زخرفية قديمة امتزجت عبر الزمن مع الأساليب المحلية، خصوصا في المدن الإمبراطورية مثل مكناس. ويتميز هذا الفن بدقته العالية في التشكيل، حيث يعتمد على نقش وزخرفة المعادن أو الخشب أو الجبس بنقوش دقيقة متشابكة تشبه التطعيم الفني. وقد اشتهرت مكناس بهذا النوع من الزخرفة نظرا لكونها مدينة سلطانية احتضنت القصور والمساجد الفخمة، ما خلق طلبا كبيرا على هذا النوع من الفنون الراقية التي تزين الأبواب والأسقف والمفروشات.
خصائص جمالية وتقنيات دقيقة في الصنع:
يتميز فن الديمسقي بخصائص جمالية فريدة تقوم على التوازن والتناظر والدقة الهندسية في تنفيذ النقوش. فهو يعتمد على أشكال هندسية متداخلة وزخارف نباتية دقيقة تنفذ يدويا باستخدام أدوات تقليدية تحتاج إلى مهارة عالية وصبر طويل. ويستعمل الحرفيون في هذا الفن تقنيات دقيقة في الحفر والتطعيم والتلوين، ما يمنح القطعة النهائية مظهرا فنيا راقيا يعكس براعة الصانع. كما أن كل قطعة من الديمسقي تعتبر عملا فنيا فريدا لا يتكرر بنفس التفاصيل، مما يزيد من قيمته الجمالية والتراثية.
مكناس كحاضنة تاريخية لهذا الفن:
لعبت مدينة مكناس دورا محوريا في الحفاظ على فن الديمسقي وتطويره، بحكم مكانتها كعاصمة سلطانية في عهد المولى إسماعيل، حيث ازدهرت فيها الصناعات التقليدية والفنون الزخرفية التي كانت تستعمل في تزيين القصور والمساجد والمدارس العتيقة. هذا الازدهار التاريخي ساهم في ترسيخ هذا الفن داخل هوية المدينة، ليصبح جزءا من ذاكرتها العمرانية والثقافية. وحتى اليوم، لا تزال بعض الورشات التقليدية في مكناس تحافظ على هذا الإرث وتعمل على نقله من جيل إلى آخر.
دور الحرفيين في الحفاظ على هذا التراث:
يعتبر الحرفيون في مكناس الركيزة الأساسية لاستمرار فن الديمسقي، حيث يشتغلون في ورشات صغيرة تعتمد على العمل اليدوي والخبرة المتوارثة. هؤلاء الحرفيون لا يقومون فقط بإنتاج قطع زخرفية، بل يساهمون أيضا في حماية ذاكرة فنية مهددة بالاندثار بسبب التطور الصناعي الحديث. ورغم التحديات المرتبطة بارتفاع كلفة الإنتاج وقلة الطلب في بعض الفترات، إلا أن العديد منهم يواصلون العمل بإصرار للحفاظ على هذا الفن وإعادة إحيائه عبر المشاركة في المعارض الوطنية والدولية.
ارتباط فن الديمسقي بالصناعة التقليدية والسياحة:
أصبح فن الديمسقي اليوم جزءا من العرض السياحي والثقافي لمدينة مكناس، حيث يقبل الزوار على اقتناء القطع الفنية التي تعكس هذا الإرث الزخرفي الفريد. كما أن هذا الفن يندرج ضمن منظومة الصناعة التقليدية المغربية التي تشكل عنصر جذب سياحي مهم، خاصة في المدن العتيقة. ويساهم هذا الارتباط بين الفن والسياحة في دعم الاقتصاد المحلي، من خلال خلق فرص عمل وتحريك النشاط التجاري المرتبط بالحرف اليدوية.
تحديات الاستمرارية وسبل التطوير:
رغم القيمة الفنية والتاريخية لفن الديمسقي، إلا أنه يواجه عددا من التحديات، أبرزها ضعف التسويق، وقلة الورشات المتخصصة، وصعوبة نقل المهارات إلى الأجيال الجديدة. لذلك، أصبح من الضروري التفكير في سبل حديثة لتطوير هذا الفن، مثل إدماجه في التصميم العصري، وتشجيع التكوين المهني، ودعمه عبر المنصات الرقمية، حتى يتمكن من مواكبة التحولات الاقتصادية والثقافية المعاصرة دون فقدان أصالته.
يمثل فن الديمسقي في مكناس أحد الكنوز الفنية التي تعكس عمق التراث المغربي وغناه، حيث يجمع بين الجمال والدقة والهوية التاريخية. وبينما يواجه هذا الفن تحديات العصر الحديث، فإنه يظل رمزا للإبداع الحرفي المغربي الأصيل، وقيمة ثقافية تستحق الحماية والتثمين. ومع استمرار الجهود للحفاظ عليه، يمكن أن يظل فن الديمسقي عنصرا حيا في المشهد الثقافي المغربي ومصدر إلهام للأجيال القادمة.