حين تتحول الموسيقى من مجرد ألحان وكلمات إلى وسيلة لصناعة صورة وطنية عابرة للحدود، يبرز اسم ريدوان باعتباره واحدا من أبرز الأسماء المغربية التي نجحت في الوصول إلى قلب الصناعة الموسيقية العالمية دون أن تفقد صلتها بجذورها. فمن تطوان انطلقت رحلة نادر خياط، المعروف فنيا باسم ريدوان، نحو العالمية، قبل أن يصبح اسمه مرتبطا بإنتاج وكتابة وتلحين أعمال لنجوم كبار، وفي مقدمتهم ليدي غاغا.
فضلا عن اشتغاله على مشاريع رياضية وفنية ذات انتشار دولي. وفي السنوات الأخيرة، بدا واضحا أن اهتمامه لم يعد مقتصرا على الموسيقى العالمية، بل اتجه بصورة أكبر نحو تقديم مشاريع تحمل الهوية المغربية إلى جمهور أوسع، سواء من خلال الأغنية أو السينما أو الأعمال المرتبطة بالمنتخب الوطني والتظاهرات القارية.
ريدوان، واسمه الحقيقي نادر خياط، هو منتج وموزع وكاتب أغان وموسيقي مغربي، ولد بمدينة تطوان سنة 1972، وبدأ مسارا فنيا قاده تدريجيا إلى الساحة الدولية، حيث تعامل مع مجموعة واسعة من الأسماء العالمية، قبل أن يرسخ مكانته كمنتج صاحب بصمة خاصة في موسيقى البوب والأعمال الجماهيرية. ولم تمنعه النجاحات العالمية من مواصلة ارتباطه بالمغرب، إذ ظل حاضرا في مشاريع فنية تسعى إلى تقديم صورة مختلفة عن المملكة، وهو توجه ظهر بشكل واضح في أعماله المصورة بالمغرب، وفي مشاريعه الحديثة التي تجمع بين الطابع العالمي والهوية المحلية.
كما وسع ريدوان في السنوات الأخيرة نطاق اهتمامه ليشمل الإنتاج السينمائي، حيث خاض تجربة إنتاج فيلم «البطل»، مؤكدا رغبته في أن تكون هذه الخطوة مدخلا لإيصال السينما المغربية إلى العالمية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في القطاع.
وكشف ريدوان في تصريحات صحفية حديثة أن مشروعه الفني المرتبط بكأس أمم إفريقيا لم يكن مجرد عمل موسيقي عابر، بل كان بالنسبة إليه حلما أراد من خلاله تقديم صورة عن المغرب وإفريقيا عبر الموسيقى. وأوضح في حديثه مع وسائل إعلام مغربية، خلال تقديم ألبوم «الله الوطن الملك» في الدار البيضاء أواخر سنة 2025، أن الفكرة قامت على تجاوز صيغة الأغنية الواحدة نحو ألبوم متكامل يضم 12 عملا، بمشاركة أكثر من 35 فنانا مغربيا وأجنبيا، معتبرا أن تنظيم البطولة القارية بالمغرب شكل فرصة استثنائية لإبراز التنوع الموسيقي والثقافي للمملكة.
وأضاف أن الألبوم حرص على الجمع بين أنماط وأصوات ولهجات مختلفة، إلى جانب استحضار رموز مغربية مثل القفطان والزليج، مؤكدا أنه لو توفرت له مدة أطول لكان المشروع ألبوما مزدوجا. كما عبر عن فخره الكبير بالأغنية التي تحمل عنوان «الله الوطن الملك»، معتبرا إياها الأقرب إلى قلبه، ومشددا على أن الهدف هو جعل الفن جسرا للتواصل بين الشعوب والثقافات.
وأضاف ريدوان أن اختياراته الفنية في هذا المشروع انطلقت من رغبته في منح كل فنان المساحة التي تتناسب مع أسلوبه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حضور الهوية المغربية في مختلف الأعمال. وأكد أن الألبوم جمع أسماء مغربية بارزة إلى جانب فنانين عالميين، من بينهم سعد لمجرد وأسماء لمنور ومنال بنشليخة وحاتم عمور وفناير، فضلا عن أكون وجيسون ديرولو ودافيدو وفرنش مونتانا، في محاولة لصناعة مشروع قادر على مخاطبة الجمهور المغربي والإفريقي والدولي في الوقت ذاته.
كما أوضح أن الألبوم تضمن أعمالا متنوعة مثل «أشكيد» و«مرحبا بكم» و«المغربية» و«ماروكينوس» وغيرها، بما يعكس تعدد الألوان الموسيقية المغربية وانفتاحها على أنماط عالمية. وفي السياق نفسه، تحدث عن الجدل الذي رافق بعض الاختيارات الفنية، موضحا أن مشاركة محمد رمضان جاءت في مرحلة متأخرة من التحضير وبعد تواصل مباشر منه، وأنها أدرجت ضمن تركيبة الألبوم كعمل إضافي، نافيا أن يكون الأمر مرتبطا بإقصاء الفنانين المغاربة.
وقبل مشروع ألبوم «الله الوطن الملك»، كان ريدوان قد كشف عن توجه فني آخر يربط الموسيقى بالمنتخب الوطني، من خلال أغنية «مغربي مغربي»، موضحا أنها جاءت كرسالة حب وتقدير للمنتخب والجماهير المغربية، وليست النشيد الرسمي لكأس أمم إفريقيا كما تم تداول ذلك. وأوضح أن العمل كان جزءا من تصور أكبر يتمثل في إنتاج أغان خاصة بالمنتخب والجمهور، معتبرا الفكرة تجربة جديدة في مجال الأغنية الرياضية المغربية، ومستندا إلى خبرته الطويلة في هذا النوع من الأعمال، خصوصا بعد اشتغاله على أغان رياضية ارتبطت بأحداث وفرق عالمية.
كما أكد أن الموسيقى قادرة على جمع المغاربة حول منتخبهم، وأنه يريد من خلال هذه الأعمال خلق أجواء حماسية في المدرجات وتعزيز الشعور بالانتماء والوحدة. ويعكس هذا التوجه امتداد رؤية ريدوان التي ظهرت منذ سنوات، حين تحدث عن أهمية تصوير أعماله في المغرب لإبراز مناظره للعالم والاستفادة من القوة التي تمتلكها الموسيقى في الترويج للسياحة وصورة البلاد.
ولا تقف طموحات ريدوان عند حدود الإنتاج الموسيقي، إذ أكد خلال تجربته السينمائية الأولى مع فيلم «البطل» أنه يسعى إلى توسيع حضوره داخل الصناعة الفنية المغربية، بعدما انتقل من موقع المنتج الموسيقي العالمي إلى منتج سينمائي يراهن على تقديم محتوى مغربي قادر على الوصول إلى الجمهور الدولي.
وكشف أن دخوله مجال السينما جاء بدافع الإيمان بقدرة الطاقات المغربية على صناعة أعمال تنافس خارج الحدود، مشيرا إلى أن الاستثمار في السينما المغربية يمكن أن يفتح الباب أمام منتجين ومستثمرين أجانب للاهتمام بالسوق المحلية. كما عبر عن رغبته في إنتاج أعمال مغربية ودولية مشتركة، في توجه ينسجم مع تجربته الموسيقية التي قامت أساسا على الجمع بين المواهب المغربية والنجوم العالميين.
وهكذا يواصل ريدوان بناء مسار فني يتجاوز حدود النجاح الفردي، واضعا خبرته الدولية في خدمة مشاريع تحمل توقيعا مغربيا واضحا. وبين الموسيقى العالمية، والأغنية الرياضية، والإنتاج السينمائي، يبدو أن رهانه الأساسي أصبح صناعة أعمال تنطلق من المغرب لكنها لا تتوقف عند حدوده، وتمنح الجمهور الدولي فرصة لاكتشاف تنوع الثقافة المغربية بصيغة عصرية وجذابة.
وبينما يثبت كل مشروع جديد أن ريدوان لا يزال يبحث عن مساحات مختلفة للإبداع، فإن رهانه الأكبر يبدو واضحا: تحويل الفن إلى لغة قادرة على تقديم المغرب للعالم، وصناعة جسور جديدة بين المواهب المحلية والساحة الدولية.