يعد الفنان المغربي نسيم حداد من الأسماء البارزة التي اختارت منذ سنوات خوض تجربة فنية قائمة على إعادة إحياء التراث الموسيقي المغربي وتقديمه في صياغة حديثة تجمع بين الأصالة والتجديد، حيث استطاع أن يخلق لنفسه مسارا خاصا يمزج بين البحث الأكاديمي في المجال العلمي والانخراط العميق في الممارسة الفنية، وهو ما جعله يحظى بحضور متزايد داخل المشهد الثقافي الوطني والدولي، خاصة من خلال اهتمامه بفن العيطة والعمل على نقله من نطاقه التقليدي إلى فضاءات أوسع وأكثر انفتاحا على الجمهور العالمي.
كشف في تصريح للصحافة على هامش مشاركته في مهرجان موازين إيقاعات العالم أن هذه المشاركة تشكل بالنسبة إليه محطة فارقة في مساره الفني، لأنها تتيح له فرصة تقديم تجربته أمام جمهور متنوع يأتي من مختلف دول العالم، موضحا أن هذا الحدث لا يقتصر فقط على كونه مهرجانا موسيقيا، بل يعد منصة ثقافية كبرى تساهم في التعريف بالمغرب وبموروثه الغني، كما تمنح الفنانين فضاء للتفاعل وتبادل التجارب، وهو ما يراه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور الفن المغربي على الساحة الدولية.
وأكد حداد أن فن العيطة يشكل أحد أهم أعمدة الهوية الموسيقية المغربية، باعتباره تعبيرا فنيا يحمل في طياته تاريخا طويلا وذاكرة شعبية غنية، مشددا على أن هذا الفن قادر على الاستمرار والتطور إذا ما تمت إعادة تقديمه بأساليب عصرية تحافظ على روحه الأصلية، وفي الوقت نفسه تفتح له آفاقا جديدة للانتشار، مبرزا أن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في خلق توازن بين الحفاظ على التراث وبين مواكبة التحولات الموسيقية الحديثة التي يعرفها العالم.
وأشار الفنان إلى أن علاقته بالعيطة لم تكن وليدة الصدفة أو تجربة عابرة، بل هي نتيجة مسار طويل من البحث والتتبع والاحتكاك بالمدارس الفنية المغربية المختلفة، حيث عمل على دراسة هذا اللون الغنائي بعمق، وساهم في نقله من فضاءات الأداء التقليدي إلى مسارح كبرى داخل المغرب وخارجه، من خلال عروض فنية قدمها في عدد من الدول الأوروبية والأمريكية، وهو ما سمح له بتوسيع دائرة التعريف بهذا الفن وإبرازه أمام جمهور جديد.
وأوضح حداد أن التراث المرتبط بالعيطة لا يزال يحمل كما هائلا من المعارف والروايات والأغاني التي لم يتم توثيقها بالكامل إلى حدود اليوم، لافتا إلى أنه يواصل العمل على جمع هذا الموروث من مختلف مناطق المغرب، بالاعتماد على رواة ومهتمين يحتفظون بذاكرة شعبية حية، معتبرا أن هذا العمل التوثيقي يعد خطوة أساسية للحفاظ على هذا الإرث من الاندثار وضمان انتقاله إلى الأجيال القادمة في شكل أكثر تنظيما ووضوحا.
كما تطرق حداد إلى جانب آخر من مساره الشخصي، موضحا أن تكوينه الأكاديمي في مجال فيزياء الجسيمات منحه قدرة كبيرة على التحليل والدقة في التفكير، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على منهجيته في العمل الفني والبحث في التراث، إضافة إلى حديثه عن الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تقنية يمكن أن تساهم في دعم الإبداع وتطويره، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الفن سيظل مرتبطا بالإنسان وبحسه الإبداعي الذي لا يمكن للتكنولوجيا أن تعوضه بشكل كامل.
قد يعجبك ايضا