ليست الذاكرة الوطنية حبيسة حدود المكان الذي شهد أحداثها، بل يمكن للسينما أن تمنحها حياة جديدة، وتنقل تفاصيلها إلى جمهور لم يعش لحظاتها. ومن هذا المنطلق، اختار الفيلم الوثائقي «النداء» أن يعيد فتح صفحات من تاريخ المغرب عبر رحلة إنسانية يقودها راو أمريكي، في محاولة لربط الماضي بالحاضر والتعريف بإحدى أبرز المحطات في الوجدان المغربي.
واحتضنت العاصمة الفنلندية هلسنكي العرض الأول للفيلم على المستوى الأوروبي، في أمسية ثقافية نظمتها سفارة المملكة المغربية بفنلندا، بحضور المخرج أحمد بوشلكة، إلى جانب الراوي الأمريكي تيرينس ليونارد أولسون، المعروف باسم «تيري أولسون»، وكاتب السيناريو محمد أحمد كين، فضلا عن دبلوماسيين وشخصيات من الأوساط الثقافية والجمعوية.
ويقدم العمل، الذي يحمل عنوان «The Call»، قراءة سينمائية للمسيرة الخضراء من منظور أمريكي، مستندا إلى تجربة تيري أولسون في المغرب، حيث تشكل رحلته بين عدد من المناطق واللقاءات التي أجراها مع الشهود والسكان المحليين العمود الفقري للحكاية الوثائقية. ومن خلال هذه المحطات، يستعيد الفيلم تفاصيل من الذاكرة الجماعية، ويقرب المشاهد من أبعادها الإنسانية والتاريخية.
ولا يكتفي الشريط بسرد وقائع الماضي، بل يسعى إلى إبراز الصلة بين تلك المرحلة وما شهده المغرب من تحولات، من خلال شهادات فردية تمنح الحدث بعدا إنسانيا، وتكشف كيف ظلت المسيرة الخضراء حاضرة في الوعي الوطني. كما تتيح مشاركة راو أمريكي تقديم هذه الذاكرة من زاوية خارجية، مع استحضار الروابط التاريخية والإنسانية التي تجمع المغرب بالولايات المتحدة.
ويعتمد المخرج أحمد بوشلكة في بناء العمل على لغة الفيلم الوثائقي، لطرح قضايا الذاكرة والهوية والانتماء، وجعل التجربة الشخصية للراوي جسرا للتواصل بين تاريخ المغرب وجمهور أوروبي. وقد شكلت النقاشات التي أعقبت العرض فرصة أمام الحاضرين للتعرف على ظروف إنجاز الفيلم، والاختيارات الفنية التي وجهت بناءه، وكيفية توظيف الشهادات والمسار الشخصي في صياغة سرد سينمائي متكامل.
واكتسب اختيار هلسنكي لاحتضان العرض دلالة رمزية، بالنظر إلى ارتباط المدينة بالحوار والسلام، فضلا عن صلتها بوثيقة هلسنكي الختامية الموقعة في فاتح غشت 1975، قبل أشهر قليلة من تنظيم المسيرة الخضراء. وتتضمن الوثيقة مبادئ مرتبطة بعدم اللجوء إلى القوة وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وهو ما أضفى على المناسبة مساحة إضافية للتأمل في الطابع السلمي للتعبئة المغربية.
وفي كلمة بالمناسبة، أبرز سفير المغرب بفنلندا، محمد أشكالو، الأهمية التاريخية والإنسانية لهذه المبادرة الثقافية، التي تندرج ضمن الاحتفاء بذكرى المسيرة الخضراء وعيد الوحدة. كما يحضر هذا العيد في ختام الفيلم باعتباره امتدادا لمعاني الذاكرة الوطنية، وفرصة لتقديم صورة عن المغرب وتشبثه بالسلام والوحدة.
وشكل العرض الأوروبي مناسبة لنقل جانب من التاريخ المغربي إلى فضاء ثقافي جديد، وفتح المجال أمام الأجيال الصاعدة لاكتشاف هذه الذاكرة من خلال تجربة سينمائية تمزج بين الشهادة والتوثيق والسرد الإنساني.
واختتمت الأمسية بحفل استقبال تخللته طقوس تقديم الشاي بالأقاليم الجنوبية للمملكة، في مبادرة أتاحت للضيوف مواصلة التعرف على جوانب من الثقافة المغربية، بعدما انتقلت الرحلة التي اقترحها الفيلم من الشاشة إلى أجواء اللقاء والتقاسم.