هشام العسري يكشف عن رؤيته الإنسانية لمأساة غزة من خلال فيلم “غزة × كازا”

يواصل المخرج والكاتب المغربي هشام العسري توظيف السينما لاستكشاف القضايا الإنسانية المعاصرة، من خلال أعمال تعتمد على أساليب سردية مختلفة وتفتح المجال أمام المشاهد للتفكير في الواقع من زوايا غير مألوفة، إذ يحرص في تجاربه الفنية على الجمع بين الصورة والإيحاء والتعبير الرمزي، بعيدا عن المعالجة التقليدية للموضوعات التي تشغل الرأي العام، وهو ما يتجدد في مشروعه السينمائي الجديد المرتبط بمأساة غزة.
وكشف العسري، في تصريح للصحافة، عن خلفيات فيلمه القصير غزة × كازا، الذي يستحضر معاناة الفلسطينيين من خلال قصة شابة تنتقل إلى المغرب هربا من واقع الحرب، قبل أن تجد نفسها ممزقة بين حياتها الجديدة وقلقها المتواصل على أفراد أسرتها الذين تركتهم خلفها، حيث اختار المخرج تقديم الحكاية بمنظور إنساني يتيح للجمهور استيعاب أبعاد المأساة من خلال تجربة الشخصية ومشاعرها المتناقضة.
وأوضح المخرج أن فكرة العمل انطلقت من رغبته في التعبير عن الموقف المغربي تجاه ما يحدث في غزة، عبر لغة سينمائية لا تعتمد على الشرح المباشر أو تقديم أجوبة جاهزة، وإنما تترك للمشاهد فرصة اكتشاف المعاني الكامنة خلف الأحداث والصور، كما يراهن على جعل الحكاية وسيلة لنقل مشاعر التضامن والألم، واستحضار المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في ظل الحرب وما تتركه من آثار نفسية وإنسانية عميقة.
ويحمل الفيلم جانبا شخصيا بالنسبة إلى العسري، الذي يستحضر شعوره بالعجز أمام مشاهد الأطفال الذين يفقدون حياتهم في غزة، وما يرافق ذلك من إحساس بالتناقض بين حجم المأساة والانشغالات اليومية الأخرى، إذ يرى أن الأحداث الجارية تفرض على الفنان مواجهة مسؤوليته الإنسانية والتعبير عن موقفه من خلال الوسائل المتاحة له، بما يضمن حضور هذه المأساة في الذاكرة الفنية والثقافية.
ويعتبر العسري أن السينما تمثل بالنسبة إليه وسيلة للتفاعل مع الواقع وترك أثر فني يعكس موقف المبدعين مما يحدث حولهم، إذ يسعى من خلال هذا العمل إلى التأكيد على أن الفنان لا ينفصل عن قضايا عصره، وأن التعبير عن المعاناة الإنسانية يمكن أن يتحقق عبر الصورة والحكاية والإبداع، حتى عندما يتعذر تقديم خطاب مباشر قادر على الإحاطة بكل جوانب المأساة.
ويحرص المخرج على الفصل بين العمل السينمائي والخطاب الإخباري أو المقال السياسي، إذ اختار بناء الفيلم على عناصر بصرية وسردية تسمح بتوصيل الرسالة من خلال التفاصيل والإشارات، بدل الاكتفاء بعرض موقف واضح ومباشر، كما يبتعد في مقاربته عن التفسيرات القائمة على الانتماءات الإيديولوجية أو الحسابات السياسية، مركزا على الإنسان وما يعيشه من خوف وفقد وقلق في مواجهة العنف والحرب.
وتتمحور أحداث غزة × كازا حول شابة فلسطينية تقيم في المغرب، وتحاول التواصل مع والدتها الموجودة في غزة وإقناعها بأنها تعيش في ظروف آمنة، حيث تتحدث عن عملها وحياتها اليومية وسيارتها والشقة التي تسكنها في حي هادئ، بينما تكشف الصور المحيطة بها عن واقع مختلف، تتخلله مشاهد الخراب والسيارات المتضررة والفضاءات المتدهورة وآثار الحرائق، في تناقض بصري يعكس المسافة بين الكلمات والحقيقة.
ويعتمد الفيلم على هذا التباين لإبراز الحالة النفسية التي تعيشها البطلة، إذ تبدو محاولاتها لطمأنة والدتها أقرب إلى رغبة في حمايتها من الخوف الإضافي، وفي الوقت نفسه وسيلة للتشبث بإمكانية استعادة حياة طبيعية بعيدا عن الحرب، غير أن تفاصيل المشاهد تكشف أن الانتقال إلى مكان آمن لا يعني بالضرورة التحرر من آثار التجربة، خصوصا عندما يظل الأهل والأحباء تحت تهديد مستمر.

وتستحضر الشابة خلال الأحداث ذكريات خطيبها الراحل، الذي يعود إلى حياتها عبر مشاهد تستند إلى الحلم والذاكرة والخيال، لتكشف هذه اللحظات عن عمق ارتباطها بماضيها وعن الألم الذي يرافقها رغم ابتعادها عن وطنها، كما تعكس صعوبة تجاوز الفقد حين تظل الذكريات مرتبطة بمكان لم يتوقف فيه العنف، وبأشخاص لا تعرف البطلة ما إذا كانت ستتمكن من رؤيتهم مجددا.
وتتفاقم معاناة الشخصية بسبب إحساسها بالذنب تجاه مغادرة وطنها، إذ تجد نفسها أمام أسئلة مؤلمة حول معنى النجاة بعيدا عن أفراد أسرتها، ومدى قدرتها على مواصلة حياتها في الوقت الذي لا يزال فيه المقربون منها يواجهون الخطر، لتتحول تجربتها إلى صراع داخلي بين حقها في الأمان وشعورها بالمسؤولية تجاه عائلتها، في صورة تعكس التعقيدات النفسية التي يعيشها من يضطرون إلى الابتعاد عن أوطانهم خلال الحروب.
ومع تطور الأحداث، يبدأ التواصل بين الشابة ووالدتها في التراجع، قبل أن يحل الصمت مكان الرسائل والاطمئنان، فتزداد مخاوف البطلة وتتسع المسافة بينها وبين عائلتها، بينما تظل معلقة بين تفاصيل حياتها الجديدة في المغرب وذكرياتها في غزة، في معالجة سينمائية تجعل من انقطاع التواصل عنصرا أساسيا لتجسيد الخوف من المجهول وثقل الانتظار في ظل ظروف لا يمكن التحكم فيها.
ويختار العسري في المشاهد الأخيرة الانتقال إلى فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتجاور صور الحرب والدمار مع منشورات تتناول الطعام والرياضة والترفيه والسياسة، في إشارة إلى الطريقة التي تتدفق بها الأحداث عبر الشاشات وتتزاحم فيها المآسي مع المحتويات اليومية، كما يطرح هذا الاختيار تساؤلات حول سرعة تراجع الاهتمام بالأزمات الإنسانية وسط سيل المنشورات المتلاحقة، ومدى قدرة الصورة على الاحتفاظ بأثرها في وعي المتلقي داخل عالم رقمي لا يتوقف عن إنتاج المحتوى.

هشام العسري يكشف عن رؤيته الإنسانية لمأساة غزة من خلال فيلم "غزة × كازا"