تستعد السلسلة التلفزيونية «حكايات من التراث» لإحياء تفاصيل الحياة داخل القبيلة المغربية في حقبة تاريخية قديمة، من خلال قصص اجتماعية تستحضر أجواء الدوار والأسواق الشعبية، وتسلط الضوء على العلاقات الإنسانية والخلافات اليومية ودور الحاكم في تدبير شؤون المجتمع. ويأتي هذا العمل الجديد برؤية المخرج إبراهيم الشكيري، الذي يواصل اهتمامه بالأعمال المستلهمة من الذاكرة الشعبية والتراث المغربي.
ويعد إبراهيم الشكيري من المخرجين المغاربة الذين راكموا تجارب في مجال الدراما التلفزيونية، مع اهتمام خاص بالأعمال التي تستلهم أحداثها من البيئة المغربية وتفاصيلها الاجتماعية. وقد سبق له أن اشتغل على مشاريع تراثية، من بينها سلسلة «حكايات شامة» التي عرضت خلال الموسم الرمضاني الماضي، واستحضرت قصة فتاة وجدت نفسها أمام تحديات الحياة رفقة شقيقاتها في غياب والدهن الذي سافر لأداء مناسك الحج.
وتتكون «حكايات من التراث» من ثلاثين حلقة منفصلة، يجري تصويرها حاليا بمدينة ورزازات، حيث تقدم كل حلقة حكاية مستقلة بشخصيات وأحداث مختلفة، مع الاحتفاظ بخيط فني مشترك يقوم على استلهام الموروث الشعبي وتوظيف الحوارات المستمدة من الأمثال والحكم المتداولة في الحياة اليومية.
وتفتح السلسلة المجال أمام مجموعة من القضايا الاجتماعية التي كانت حاضرة داخل القبيلة والأسواق والدوار، إذ تتناول النزاعات حول الإرث، والخلافات الأسرية، والتوترات التي تنشأ بين أفراد المجتمع، إلى جانب المشكلات المرتبطة بالتجارة والأسواق الشعبية، وما يرافقها من منافسة وخلافات بين التجار.
كما تستحضر الحلقات طبيعة العلاقات التي جمعت بين المسلمين واليهود خلال تلك الحقبة، من خلال قصص ترصد مظاهر التعايش والتعامل اليومي بين مختلف مكونات المجتمع، في محاولة لإبراز جوانب من الحياة المشتركة داخل الفضاء الاجتماعي نفسه.
ويحظى دور الحاكم بحضور بارز ضمن أحداث العمل، باعتباره شخصية تتدخل في تدبير شؤون القبيلة والفصل في النزاعات التي تنشأ بين أفرادها، فضلا عن مساهمته في حل الخلافات والمحافظة على النظام داخل الدوار. ويتيح هذا الجانب تقديم صورة عن طبيعة السلطة المحلية وأشكال تدبير الحياة الجماعية في تلك المرحلة التاريخية.
ولا تقتصر الحكايات على الصراعات والمشكلات، بل تبرز أيضا قيم التكافل والتآخي والتضامن بين أفراد القبيلة، من خلال مواقف تظهر تعاونهم في مواجهة الأزمات. وفي المقابل، تتناول بعض القصص ممارسات تتعارض مع الأعراف السائدة، وردود فعل أفراد المجتمع تجاهها ومحاولاتهم التصدي لها ومعالجتها.
ويعتمد العمل على الحفاظ على أجوائه التراثية من خلال طبيعة الشخصيات وفضاءات الأحداث والحوارات التي تستحضر الأمثال الشعبية، بما يمنح القصص طابعا قريبا من الذاكرة الجماعية، ويعيد تقديم بعض ملامح الحياة الاجتماعية المغربية في الماضي ضمن قالب درامي متنوع.
ومن المرتقب أن تدخل «حكايات من التراث» ضمن برمجة شهر رمضان المقبل، في حال اعتمادها رسميا ضمن الشبكة التلفزيونية النهائية، خاصة أنها تتكون من ثلاثين حلقة، وهي صيغة تحضر بقوة في الإنتاجات الرمضانية. وتعول الجهة المنتجة على تنوع الحكايات وارتباطها بالتراث لاستقطاب الجمهور الذي يفضل هذا النوع من الأعمال، مستفيدة من الاهتمام الذي حظيت به تجارب سابقة مثل «سوق النسا» و«رمانة وبرطال».
ويشارك في السلسلة كل من ناريمان سداد ومنصور بدري وعبد الصمد الغرفي، إلى جانب مجموعة من الممثلين والوجوه المحلية التي وقع اختيارها عبر تجارب أداء لتجسيد شخصيات الحلقات المختلفة. ويواصل إبراهيم الشكيري من خلال هذا المشروع الاشتغال على الدراما التراثية، بعد تجربة «حكايات شامة»، في رهان جديد على استثمار الحكاية الشعبية المغربية وتقديمها في صيغة تلفزيونية تجمع بين القضايا الاجتماعية واستعادة أجواء الماضي.