من اللحوم الحمراء إلى السردين موجة الغلاء تضيق الخناق على موائد المغاربة والدواجن تفقد دورها كبديل

لم تعد رحلة التسوق اليومية بالنسبة إلى كثير من الأسر المغربية مجرد فرصة لاقتناء ما تحتاجه من مواد غذائية، بل تحولت إلى معادلة صعبة تحكمها القدرة الشرائية وحسابات الميزانية المحدودة، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار عدد من المنتجات الأساسية. فبعد أن أصبحت اللحوم الحمراء بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين، وجدت الأسر نفسها أمام واقع أكثر تعقيدا، بعدما لحقت بها أسعار الدواجن، فيما لم تسلم الأسماك، بما فيها الأنواع التي ظلت لسنوات خيارا شعبيا واقتصاديا، من موجة الغلاء.
وبين لحوم حمراء تجاوز ثمن بعضها 160 درهما للكيلوغرام، ودجاج ارتفع سعره إلى 24 درهما للكيلوغرام حيا، وأسماك شعبية لم تعد أسعارها في متناول الجميع، تتزايد الضغوط على ميزانيات الأسر، خصوصا ذات الدخل المحدود والمتوسط. وفي وقت تتعدد فيه العوامل المرتبطة بالإنتاج والعرض والطلب وتكاليف الاستيراد والنقل، يطرح هذا الوضع تساؤلات ملحة حول أسباب ارتفاع أسعار البروتين الحيواني في الأسواق الوطنية، ومدى قدرة المستهلك المغربي على مواجهة هذه الموجة التي طالت مختلف البدائل الغذائية.
أصبحت اللحوم الحمراء من أكثر المواد الغذائية التي تعكس حجم الضغط الذي تعيشه القدرة الشرائية للمغاربة، بعدما سجلت أسعارها مستويات جعلت اقتناءها بشكل منتظم أمرا صعبا بالنسبة إلى عدد كبير من الأسر، ويتراوح سعر الكيلوغرام الواحد من لحم البقر بين 100 و160 درهما، تبعا للمدينة والحي ونقطة البيع، إذ يصل في بعض أحياء المعاريف بالدار البيضاء إلى 160 درهما، مقابل نحو 100 درهم في أحياء أخرى، من بينها الحي الحسني.
ولم يكن لحم الغنم بمنأى عن هذه الزيادات، إذ تتراوح أسعاره بين 140 و180 درهما للكيلوغرام الواحد، وهو ما جعل عددا من الجزارين في الأسواق الشعبية يعزفون عن عرضه، بعدما تراجعت قدرة زبائنهم على تحمل تكلفته. ويؤكد مهنيون أن التغير لم يقتصر على انخفاض عدد المشترين، بل شمل أيضا الكميات التي يقتنونها؛ فمن كان يشتري كيلوغراما كاملا أصبح يكتفي بربع كيلوغرام، بينما اختار آخرون الاستغناء عن اللحوم الحمراء نهائيا، تفاديا لمزيد من الضغط على مصاريفهم اليومية.
وفي هذا السياق، أوضح هشام الجوابري، الكاتب الجهوي لتجار اللحوم الحمراء بالجملة بالدار البيضاء-سطات، أن الأسعار سجلت ارتفاعا جديدا رغم التدابير التي اتخذتها الحكومة السابقة، مرجعا ذلك أساسا إلى تراجع الإنتاج الوطني وانخفاض العرض مقارنة بالطلب في السوق المغربية. وأضاف أن خيارات استيراد الماشية أصبحت محدودة، إذ أشار إلى أن البرازيل والأوروغواي من بين الأسواق المفتوحة أمام المستوردين، بينما ظلت أسواق أخرى، مثل إسبانيا وفرنسا، مغلقة أمام السوق المغربية بسبب إصابة قطعانها بمرض الجلد العقدي، وفق التصريحات الواردة في التقرير.
وأشار المتحدث إلى أن الحصة المخصصة للاستيراد، والمقدرة بنحو 300 ألف رأس، نفدت بالكامل، محذرا من احتمال تسجيل زيادات إضافية مع وصول شحنات جديدة. كما لفت إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات وتكاليف النقل البحري يزيد من أعباء استيراد العجول والأبقار من البرازيل، الأمر الذي ينعكس على التكلفة النهائية للحوم. وهكذا، يجد المستهلك نفسه أمام أسعار تتأثر بتداخل عوامل الإنتاج المحلي والواردات والنقل، في وقت تتقلص فيه قدرته على التكيف مع هذه الزيادات.
لطالما شكلت لحوم الدواجن متنفسا للأسر المغربية التي لم تعد قادرة على تحمل أسعار اللحوم الحمراء، بالنظر إلى تكلفتها الأقل وإمكانية إدماجها بسهولة في الوجبات اليومية. غير أن الارتفاع الذي عرفته أسعار الدجاج خلال الأسابيع الماضية أضعف هذا الدور، بعدما أصبح البديل الذي تلجأ إليه الأسر لتخفيف نفقات الغذاء أكثر كلفة مما كان عليه في السابق.
وحسب الأرقام فقد بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من الدجاج الحي نحو 24 درهما، فيما تراوحت أسعار الدجاج المذبوح بين 40 و70 درهما، بحسب القطع ونوعها، بينما وصل سعر الكيلوغرام من لحم الديك الرومي المذبوح إلى نحو 80 درهما، تبعا للقطعة المعروضة. وتختلف هذه الأسعار بحسب الأسواق ونقاط البيع وطبيعة المنتوج، لكنها تعكس، في مجملها، ارتفاع كلفة اقتناء الدواجن بالنسبة إلى المستهلك.
وفي تفسيره لهذه الزيادة، ربط مصطفى المنتصر، رئيس الجمعية الوطنية لمنتجي لحوم الدواجن، ارتفاع الأسعار بالخسائر التي تكبدها مربو الدواجن خلال الفترة الممتدة من أبريل إلى غشت، والتي دفعت عددا منهم إلى استنزاف رؤوس أموالهم والتوقف عن النشاط أو عدم إعادة ملء ضيعاتهم. وأوضح أن المحاضن، أي المؤسسات المتخصصة في تفريخ البيض وإنتاج الكتاكيت، واجهت بدورها صعوبات كبيرة، ما دفع بعضها إلى التخلص من أمهات الدجاج أو تقديمها بأثمان رمزية تراوحت، بحسب تصريحه، بين 30 و50 سنتيما، الأمر الذي ساهم في تقليص الإنتاج.
وشدد المنتصر على أن الأزمة ترتبط أساسا بتراجع العرض واختلال التوازن بين الإنتاج والطلب، نافيا أن تكون الزيادة، وفق تقديره، مرتبطة مباشرة بأسعار المحروقات أو الأعلاف. كما أوضح أن استعادة الإنتاج لمستوياته السابقة تحتاج إلى وقت، بالنظر إلى أن الأمهات الجديدة تتطلب نحو 21 يوما داخل الحاضنات، تليها قرابة 40 يوما من التربية داخل الضيعات قبل وصول الدجاج إلى الأسواق. وبناء على هذه المعطيات، توقع أن تبدأ الأسعار في العودة إلى مستوياتها الطبيعية مع أواخر نونبر وبداية دجنبر 2026، غير أن تحقق هذا التراجع يبقى رهينا بتطور الإنتاج وحجم العرض خلال الفترة المقبلة.
كان من المفترض أن تشكل الثروة السمكية التي تزخر بها السواحل المغربية، الممتدة على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، أحد البدائل المهمة لتخفيف الضغط على استهلاك اللحوم الحمراء والدواجن. غير أن ارتفاع أسعار الأسماك بدوره جعل هذا الخيار أقل سهولة بالنسبة إلى فئات واسعة من المواطنين، خصوصا أن بعض الأنواع التي اعتاد المغاربة اقتناءها بأسعار مناسبة أصبحت تسجل مستويات أعلى من المعتاد.
وبحسب الأسعار التي أوردها التقرير نقلا عن موقع «سماكة» المتخصص في توصيل الأسماك الطازجة بالدار البيضاء، يتراوح سعر السردين بين 12 و25 درهما للكيلوغرام الواحد، بينما يتراوح سعر الشرن بين 15 و30 درهما، والأنشوبة بين 20 و35 درهما. أما سمك الراية، فيباع بأسعار تتراوح بين 30 و50 درهما، في حين يتراوح سعر الشرغو بين 55 و70 درهما، والفرخ بين 60 و85 درهما للكيلوغرام. وتوضح هذه الأرقام أن الفارق السعري بين الأنواع المختلفة لا يزال كبيرا، وأن اختيار السمك الأقل تكلفة أصبح بدوره مرتبطا بمكان البيع وجودة المنتوج وتوقيت الشراء.
أما الأسماك البيضاء والأنواع المخصصة للطهي والشواء، فتسجل أسعارا أعلى نسبيا، إذ يتراوح سعر الميرلان بين 65 و90 درهما للكيلوغرام، والدوراد بين 85 و130 درهما، وسمك موسى، المعروف باسم «الصول»، بين 90 و140 درهما. كما يتراوح سعر الدرعي بين 110 و180 درهما، وأبو سيف بين 120 و160 درهما، فيما يصل سعر السلمون الطازج إلى ما بين 130 و170 درهما للكيلوغرام الواحد، وفق المصدر نفسه.
ولا تتوقف الكلفة المرتفعة عند الأسماك وحدها، بل تمتد إلى الفواكه البحرية والقشريات، إذ تتراوح أسعار الأخطبوط والسيبيا والكروفيت الوردي بين 90 و130 درهما للكيلوغرام، بينما يتراوح سعر الكالامار بين 110 و140 درهما. وفي المقابل، يبقى بلح البحر، المعروف محليا باسم «بوزروگ»، أقل تكلفة نسبيا، بأسعار تتراوح بين 40 و60 درهما. وتظل هذه الأرقام قابلة للتغير بحسب وفرة المصطادات والظروف الجوية ومواسم الصيد وتكاليف المحروقات والنقل، فضلا عن تعدد الوسطاء بين مراكز الإنزال والأسواق ونقاط البيع بالتقسيط.
تكشف المعطيات المرتبطة بأسعار اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك أن ارتفاع كلفة الغذاء لا يرتبط بعامل واحد يمكن معالجته بصورة منفردة، بل ينتج عن مجموعة من المتغيرات التي تختلف من قطاع إلى آخر. ففي سوق اللحوم الحمراء، يبرز نقص الإنتاج المحلي والاعتماد على الاستيراد وتكاليف النقل باعتبارها عوامل مؤثرة في الأسعار، بينما ترتبط أزمة الدواجن، وفق تصريحات ممثلي القطاع، بتراجع الإنتاج نتيجة الخسائر التي تكبدها المربون خلال الأشهر الماضية. أما الأسماك، فتتأثر أسعارها بتقلبات العرض الموسمية والظروف المناخية وتكاليف الصيد والتوزيع، إلى جانب اختلاف الأنواع وجودتها ومواقع بيعها.
وفي ظل هذا الوضع، تبقى الأسر المغربية الحلقة الأكثر تأثرا، لأنها تجد نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب نفقاتها اليومية والتخلي عن بعض المنتجات أو تقليص الكميات المشتراة منها. كما أن تزامن ارتفاع أسعار مصادر البروتين الحيواني يحد من إمكانية الانتقال من منتج إلى آخر بحثا عن بديل أقل تكلفة، وهو ما يجعل تدبير الميزانية الغذائية أكثر صعوبة، خصوصا بالنسبة إلى الأسر التي لا تملك هامشا ماليا يسمح لها بمواجهة الزيادات المتتالية.
وأمام هذه المعطيات، يظل التحدي الأساسي هو استعادة التوازن بين العرض والطلب، وتحسين ظروف الإنتاج والتوزيع، وضمان وصول المنتجات الغذائية إلى المستهلك بأسعار أكثر ملاءمة. كما تبرز أهمية تتبع تطور الأسعار في مختلف الأسواق، وتعزيز الشفافية بشأن مسارات التسويق وهوامش الوساطة، بما يساعد على تحديد العوامل التي ترفع الكلفة من المنتج إلى المستهلك. وبين انتظار تحسن الإنتاج واستقرار الأسواق، يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن اللحوم الحمراء والدواجن والأسماك من استعادة مكانتها على موائد الأسر المغربية، أم سيظل الغلاء عاملا يفرض على المواطنين تغيير عاداتهم الغذائية وفق حدود قدرتهم الشرائية؟

من اللحوم الحمراء إلى السردين موجة الغلاء تضيق الخناق على موائد المغاربة والدواجن تفقد دورها كبديل