من التشهير إلى استغلال القاصرين قضايا رقمية تقود مشاهير مغاربة إلى السجن

وراء الأضواء وعدسات الهواتف وملايين المتابعين، تنقلب حياة بعض مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي رأسا على عقب، حين تتحول مقاطع مثيرة للجدل وخلافات شخصية إلى قضايا تلاحق أصحابها داخل المحاكم.
وفي المغرب، لم تعد شهرة الفنانين وصناع المحتوى بعيدة عن المساءلة القضائية، بعدما وجدت أسماء معروفة، من بينها الشيخة طراكس ودنيا بطمة وسكينة كلامور وإلياس المالكي، نفسها في قلب ملفات أثارت نقاشا واسعا، وتراوحت بين التشهير وانتهاك الخصوصية وقضايا أكثر خطورة تتعلق باستغلال القاصرين والاتجار بالبشر.
وتبرز قضية المغنية الشعبية فاطمة الزهراء، المعروفة بلقب «الشيخة طراكس»، ضمن أحدث الملفات التي استقطبت اهتمام الرأي العام، بعدما أمرت النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بمراكش، يوم 13 أكتوبر 2026، بإيداعها السجن المحلي الأوداية إلى جانب زوجة شقيقها، ومتابعتهما في حالة اعتقال احتياطي، للاشتباه في تورطهما في أفعال تتعلق بالسب والقذف والتشهير والمساس بالحياة الخاصة عبر الوسائط الرقمية.
وخلال جلسة 14 أكتوبر، قررت المحكمة تأجيل النظر في القضية إلى يوم 21 من الشهر نفسه، استجابة لطلبات الدفاع وأطراف الدعوى، فيما شهدت الجلسة تنصيب جمعية «زيرو تفاهة» طرفا مدنيا، مع المطالبة بتأخير المحاكمة لتوفير التجهيزات التقنية الضرورية لعرض الأدلة الرقمية ومناقشتها. وتظل القضية في إطار المتابعة القضائية، دون اعتبار المشتبه فيهما مدانتين بحكم نهائي.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان ملفات أخرى شغلت الرأي العام المغربي، بعدما انتقلت خلافات بين مشاهير وفنانين من منصات التواصل الاجتماعي إلى أروقة المحاكم. فالمقاطع المصورة والتسجيلات الصوتية والبثوث المباشرة باتت قادرة على نشر النزاعات الشخصية في وقت وجيز، لكنها قد تتحول أيضا إلى عناصر ضمن ملفات قضائية عندما تتضمن أفعالا يعاقب عليها القانون.
قضية حمزة مون بيبي تهز الوسط الفني المغربي
تعد قضية الحساب الإلكتروني الشهير «حمزة مون بيبي» من أبرز الملفات التي أثارت جدلا واسعا داخل الوسط الفني المغربي، بعدما ارتبط اسمه بنشر مضامين مسيئة والتشهير بشخصيات معروفة، قبل أن تقود التحقيقات إلى متابعات قضائية شملت عددا من الأسماء التي وردت في القضية.
وكانت الفنانة دنيا بطمة من أبرز المتابعات في هذا الملف، إذ رفعت محكمة الاستئناف بمراكش، خلال يناير 2021، العقوبة الصادرة في حقها من ثمانية أشهر إلى سنة واحدة حبسا نافذا، مع غرامة مالية قدرها 10 آلاف درهم. وشملت التهم الواردة في القضية أفعالا مرتبطة بالدخول إلى نظام المعالجة الآلية للمعطيات، ونشر صور وأقوال دون موافقة أصحابها، فضلا عن بث وقائع اعتبرت كاذبة بقصد المساس بالحياة الخاصة والتشهير.
وبعد رفض محكمة النقض الطعن الذي تقدمت به دنيا بطمة في يناير 2024، نفذت العقوبة الحبسية الصادرة في حقها. كما شمل الملف شقيقتها ابتسام بطمة، التي أدينت بسنة واحدة حبسا نافذا، ومصممة الأزياء عائشة عياش، التي خفضت العقوبة الصادرة في حقها استئنافيا إلى ستة أشهر، بعدما كانت المحكمة الابتدائية قد قضت بسجنها سنة ونصف السنة.
وامتدت تداعيات القضية إلى صانعة المحتوى سكينة جناح، المعروفة بلقب «سكينة كلامور»، التي أصدرت المحكمة الابتدائية بمراكش في حقها، خلال فبراير 2020، حكما بسنتين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 10 آلاف درهم، على خلفية الملف المرتبط بالحساب الإلكتروني. وأيدت محكمة الاستئناف الحكم في يناير 2021، لتقضي المعنية بالأمر عقوبتها الحبسية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2021.
وعادت سكينة كلامور إلى واجهة الأحداث القضائية في غشت 2026، بعدما أوقفت بمطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء، في إطار بحث مرتبط ببث مباشر تضمن، وفق المعطيات المنشورة، مشاهد اعتبرت مخلة بالحياء العام. وفي 17 غشت، قضت المحكمة الابتدائية بمراكش بسجنها عشرة أشهر نافذة، مع غرامة قدرها 500 درهم ومنعها من استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات.
غير أن محكمة الاستئناف بمراكش قررت، يوم 17 شتنبر 2026، تخفيض العقوبة الحبسية إلى خمسة أشهر، وتقليص مدة المنع من استعمال منصات التواصل الاجتماعي إلى سنة واحدة. وتوضح هذه الملفات كيف يمكن للمحتوى المنشور عبر الإنترنت أن يصبح موضوع مساءلة جنائية، متى توافرت عناصر الجريمة وثبتت المسؤولية أمام القضاء، بصرف النظر عن شهرة صاحبه أو حجم جمهوره.
إلياس المالكي يواجه تبعات محتوى منشور على الإنترنت
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بالمحاكمات المتعلقة بالمحتوى الرقمي، صانع المحتوى إلياس المالكي، الذي توبع أمام القضاء بالجديدة على خلفية شكايات تتعلق بمضامين نشرها عبر الإنترنت، وأثارت جدلا بشأن حدود التعبير والمسؤولية عن التصريحات المتداولة على المنصات الرقمية.
وفي نونبر 2024، أصدرت المحكمة الابتدائية بالجديدة حكما في حقه بأربعة أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 5 آلاف درهم، في ملف تضمن تهمة الإخلال العلني بالحياء. كما عرف مساره القضائي ملفا آخر مرتبطا بشكايات بشأن التحريض على التمييز، صدرت فيه عقوبات إضافية وفق المعطيات المتعلقة بالقضية.
وفي 30 دجنبر 2024، قضت محكمة الاستئناف بالجديدة بتخفيض العقوبة في الملف المرتبط بالتحريض على الكراهية والتمييز من أربعة أشهر إلى شهرين، كما انتهت إلى تبرئته من تهمة التحريض على الكراهية والتمييز في ذلك الملف. وتبرز هذه التفاصيل أهمية التمييز بين الاتهامات الواردة في الشكايات والأفعال التي انتهى القضاء إلى ثبوتها، تفاديا للخلط بين مراحل المتابعة والأحكام القضائية.
وتسلط هذه القضية الضوء على الإشكالات التي تطرحها بعض التسجيلات والبثوث المباشرة، خاصة عندما تتضمن عبارات يعتبرها المتضررون مسيئة إلى كرامتهم أو ماسة بحقوقهم. فانتشار المحتوى وتحقيقه نسب مشاهدة مرتفعة لا يمنحانه حصانة قانونية، كما أن تداول اتهام على نطاق واسع لا يغني عن التحقق من الوقائع والأدلة وفق المساطر المعمول بها.
ولد الشينوية ينقل الجدل من المنصات إلى المحاكم
وفي نونبر 2024، تصدر صانع المحتوى رضا البوزيدي، المعروف باسم «ولد الشينوية»، عناوين الأخبار بعد انتقال الخلافات المرتبطة بمحتواه الرقمي إلى المسار القضائي، إذ أمرت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء بإيداعه السجن المحلي عين السبع، على خلفية شكايات تضمنت اتهامات متعددة.
وشملت الشكايات أفعالا مرتبطة بالسب والقذف والمساس بالحياة الخاصة للغير عبر الأنظمة المعلوماتية بقصد التشهير، إلى جانب اتهامات أخرى وردت في الملف، من بينها التهديد وإحداث الفوضى داخل مرفق أمني. كما تضمنت معطيات التحقيق تسجيلات صوتية منسوبة إليه، ضمن العناصر التي جرى تداولها في سياق القضية.
وأعادت هذه التطورات النقاش بشأن طبيعة المحتوى الذي يقدمه بعض المؤثرين، خصوصا عندما تتحول الخلافات الشخصية إلى مواجهات علنية تتخللها اتهامات متبادلة وعبارات جارحة أو تسجيلات تمس أطرافا أخرى. وبينما قد يتابع الجمهور هذه النزاعات باعتبارها مادة للفرجة، فإن تداعياتها يمكن أن تتجاوز العالم الافتراضي وتضع المعنيين أمام إجراءات قانونية تتطلب النظر في الوقائع والأدلة.
مولينيكس ووالدة آدم بنشقرون في قضية مرتبطة باستغلال قاصر
وعلى خلاف الملفات التي ارتبطت أساسا بالتشهير والمحتوى المثير للجدل، اتخذت القضية التي شملت صانع المحتوى المعروف باسم «مولينيكس» ووالدة المؤثر آدم بنشقرون منحى أكثر خطورة، بالنظر إلى طبيعة الاتهامات التي ناقشتها المحكمة، والمرتبطة بالاتجار بالبشر واستغلال قاصر، إلى جانب أفعال أخرى تتصل بالحياة الخاصة والمحتوى الرقمي.
وفي فاتح أبريل 2026، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بطنجة حكما بالسجن النافذ لمدة ست سنوات في حق «مولينيكس»، وست سنوات كذلك في حق والدة آدم بنشقرون، مع تغريم كل واحد منهما مليون درهم، وفق المعطيات الواردة بشأن القضية.
وارتبط الملف باتهامات وجهها آدم بنشقرون إلى والدته و«مولينيكس»، تتعلق باستغلاله خلال فترة قصره، وهي ادعاءات شكلت جزءا من الوقائع المعروضة أمام المحكمة. وتكشف هذه القضية عن اختلاف طبيعة المخاطر المرتبطة بالفضاء الرقمي، إذ لا تقتصر بعض الملفات على النزاعات العلنية أو الإساءة إلى السمعة، بل قد تمتد إلى أفعال تمس حقوق الأشخاص وسلامتهم، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالقاصرين.
وتسلط هذه القضايا المتباينة الضوء على اتساع نطاق المساءلة القانونية المرتبطة باستعمال المنصات الرقمية في المغرب، من الخلافات الشخصية والتشهير إلى الملفات التي تتضمن اتهامات أكثر خطورة. كما تبرز ضرورة التمييز بين الاشتباه والمتابعة القضائية والإدانة، مع التأكيد على أن الشهرة وعدد المتابعين لا يعفيان أي شخص من احترام القانون، وأن الفصل في المسؤولية يظل من اختصاص القضاء بناء على الأدلة والإجراءات القانونية.

من التشهير إلى استغلال القاصرين قضايا رقمية تقود مشاهير مغاربة إلى السجن