في وقت تتزايد فيه انتظارات المغاربة بشأن تحسين القدرة الشرائية وتخفيف أعباء المعيشة، كشفت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري عن أبرز ملامح البرنامج الحكومي للفترة الممتدة من 2026 إلى 2031، حاملة معها مجموعة من الوعود التي تمس قطاعات حيوية، من الدعم الاجتماعي والأجور والمعاشات، إلى الصحة والتعليم والتشغيل ومحاربة الفساد، في برنامج يضع تحسين ظروف عيش المواطنين في صلب أولوياته، ويطرح في المقابل تحدي تحويل هذه الالتزامات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وخلال عرضها أمام مجلسي البرلمان، أكدت المنصوري أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من توسيع البرامج الاجتماعية إلى الرفع من جودتها وفعاليتها، مع التركيز على الأثر المباشر للسياسات العمومية في الحياة اليومية للأسر، معتبرة أن تحسين القدرة الشرائية وتوفير فرص الشغل وتجويد الخدمات الأساسية وتقليص الفوارق بين الجهات تشكل أبرز انتظارات المواطنين.
وفي مقدمة الإجراءات الاجتماعية التي تضمنها البرنامج، تعهدت الحكومة بالرفع التدريجي لقيمة الدعم الاجتماعي المباشر من 500 درهم إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع مراجعة معايير الاستفادة بما يضمن توجيه الدعم إلى الأسر المستحقة بناء على دخلها الفعلي، إلى جانب توسيع نطاق التعويض عن فقدان الشغل.
كما أعلنت عن توجه لإقرار تعويض اجتماعي تلقائي لفائدة الأسر المستحقة التي لا تتجاوز فاتورة الكهرباء الشهرية لديها 100 درهم، على أن يعادل التعويض قيمة الفاتورة، ويهم السكن الرئيسي، دون إلزام المعنيين بالأمر بتقديم طلبات ورقية أو التنقل إلى الإدارات.
وفي مواجهة ارتفاع الأسعار وتزايد تكاليف المعيشة، وضعت الحكومة ضبط أسباب الغلاء وتحسين تموين الأسواق بالمواد الأساسية ضمن أولوياتها، من خلال إصلاح مسالك توزيع اللحوم والأسماك، وتقريب المنتجين من المستهلكين، وتنظيم العلاقة بين التصدير وحاجيات السوق الوطنية، بهدف الحد من الاختلالات التي تؤثر على أسعار عدد من المنتجات.
وشملت الالتزامات كذلك إصلاحا تدريجيا للضريبة على الدخل، يرمي إلى تحسين الأجور الصافية للأجراء، إلى جانب مراجعة شاملة لأنظمة التقاعد، مع التوجه نحو رفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية تدريجيا إلى 3000 درهم شهريا. كما تضمن البرنامج مقترح تمكين الأرملة من معاش يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بعدما كانت النسبة المحددة حاليا في 50 في المائة، مع الحفاظ على حقوق باقي ذوي الحقوق.
وفي القطاع الصحي، تعهدت الحكومة بتحسين جودة الخدمات وتيسير الولوج إليها، عبر معالجة الخصاص في المؤسسات الصحية، خصوصا بالمناطق التي تعاني نقصا في العرض الطبي، وإصلاح مصالح الاستقبال والاستعجالات، وتعميم خدمات المساعدة الطبية المستعجلة، فضلا عن إرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة وتعزيز الموارد البشرية.
أما في مجال التعليم، فيستهدف البرنامج رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل بحلول سنة 2031، مع مواصلة تعميم نموذج مؤسسات الريادة، والعمل على بلوغ هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030، من خلال اعتماد آليات للرصد المبكر ومواكبة التلاميذ المهددين بمغادرة المدرسة، وإعادة إدماج المنقطعين في التعليم أو التكوين المهني.
وعلى مستوى التشغيل، تراهن الحكومة على توسيع فرص إدماج الشباب في سوق العمل، والرفع التدريجي من الطاقة التكوينية لتتراوح بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا، إلى جانب مواكبة 60 ألف مقاولة عبر تسهيل التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية. كما يشمل البرنامج دعم الحركية المهنية والعمل على توفير مساكن للكراء بأسعار مناسبة.
وفي ما يتعلق بمحاربة الفساد وتخليق الحياة العامة، أعلنت المنصوري عن التزام الحكومة باستكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، من خلال تجريم الإثراء غير المشروع، والتصدي لتضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، إلى جانب إرساء آليات لمراقبة الصفقات العمومية ومحاربة التواطؤ في طلبات العروض.
كما تعهدت الحكومة بإلزام أصحاب الصفقات العمومية بتخصيص 30 في المائة من قيمتها للمقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة، في خطوة تروم دعم النسيج المقاولاتي الوطني وتعزيز مساهمته في الاستثمار والإنتاج وخلق فرص الشغل.
وفي إطار تعزيز الجهوية المتقدمة وتقليص الفوارق المجالية، كشف البرنامج عن توجه لرفع التحويلات المالية الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027، مع مواصلة إبرام عقود البرامج بين الدولة والجهات، وربطها بأهداف واضحة في مجالات التشغيل والاستثمار وتحسين الخدمات وتقليص التفاوتات الترابية.
كما حظي الأمن المائي والطاقي والغذائي بحيز مهم ضمن التعهدات الحكومية، من خلال استهداف تعبئة 1.8 مليار متر مكعب من المياه عبر محطات التحلية بحلول سنة 2031، وتسريع إنجاز السدود ومشاريع الربط بين الأحواض المائية، فضلا عن رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030.
اقتصاديا، حدد البرنامج هدف تحقيق متوسط نمو سنوي يبلغ 5 في المائة خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، مع الحفاظ على التضخم في حدود 2 في المائة سنويا، وضبط عجز الميزانية عند 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض المديونية العمومية إلى نحو 62 في المائة بحلول سنة 2031.
وتراهن الحكومة أيضا على تعزيز الاستثمار الخاص وتطوير الصناعة الوطنية والقطاع السياحي، مع استهداف استقبال 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، ورفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار الوطني إلى الثلثين، بما يدعم النمو الاقتصادي ويعزز فرص الشغل.
واختتمت المنصوري عرضها بالتأكيد على انفتاح الحكومة على مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين، بما في ذلك المعارضة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، مشددة على أهمية التعاون المؤسساتي والرقابة البرلمانية والتقييم المستمر لمدى تنفيذ الالتزامات المعلنة.
وبين وعود تحسين الدخل وتوسيع الدعم الاجتماعي ومواجهة الغلاء، وخطط إصلاح الصحة والتعليم وتعزيز التشغيل ومحاربة الفساد، يضع البرنامج الحكومي الجديد مجموعة من الأهداف أمام البرلمان والرأي العام، فيما سيظل التنفيذ الفعلي لهذه التعهدات ومدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين العامل الحاسم في تقييم نتائج الولاية الحكومية المقبلة.