في خطوة تحمل أبعادا إنسانية واجتماعية بارزة، وتعكس الاهتمام المتزايد بتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، شهدت العاصمة الرباط تدشين جامعة لالة أسماء، في مبادرة نوعية تروم إحداث تحول في مسار تعليم الصم وضعاف السمع، من خلال توفير فضاء جامعي متخصص يتيح لهم متابعة دراستهم وتطوير قدراتهم العلمية والمهنية في ظروف ملائمة. ويشكل هذا المشروع محطة مهمة في مسار تكريس التعليم الدامج، باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف فئات المجتمع.
وأشرفت الأميرة لالة أسماء، يوم الخميس بالرباط، على تدشين هذه المؤسسة الجامعية التي تعد أول جامعة دامجة في العالم، والمخصصة لتمكين الصم وضعاف السمع من الولوج إلى التعليم العالي والاستفادة من تكوين أكاديمي متخصص يستجيب لاحتياجاتهم. ويأتي إحداث هذه الجامعة في سياق الجهود الرامية إلى تجاوز الصعوبات التي قد تواجه هذه الفئة في مسارها الدراسي، عبر توفير بيئة تعليمية تراعي خصوصياتها وتمنحها فرصا حقيقية لاكتساب المعرفة والمهارات اللازمة لبناء مستقبل مهني واعد.
ويجسد هذا المشروع العناية التي يوليها الملك محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة، كما يعكس التوجه نحو تعزيز السياسات والمبادرات التي تضمن إدماجهم في مختلف مناحي الحياة، ولا سيما في مجالي التعليم والتكوين. ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة بالنظر إلى دوره في ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، والحد من العوائق التي قد تحول دون متابعة الدراسة الجامعية، بما يتيح للصم وضعاف السمع الاستفادة من حقهم في التعلم والتأهيل والمشاركة الفاعلة في التنمية المجتمعية.
وتعزز جامعة لالة أسماء مكانتها من خلال توفير تكوين مجاني في علوم السمع، بشراكة مع معهد باستور وعدد من الجامعات العالمية، ضمن عرض أكاديمي يضم أربع مدارس و16 دبلوما. ويهدف هذا التكوين إلى توسيع إمكانات الولوج إلى التعليم العالي، وإتاحة فرص للتخصص واكتساب كفاءات علمية ومهنية في مجال علوم السمع، فضلا عن المساهمة في تطوير الخبرات المرتبطة بهذا المجال والاستجابة للحاجيات المتزايدة في ميدان التأهيل والمواكبة.
ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على توفير مقاعد جامعية لفائدة الصم وضعاف السمع، بل تمتد إلى تعزيز حضورهم في الحياة الأكاديمية والمهنية، وتمكينهم من تطوير مؤهلاتهم والاستفادة من فرص أكثر إنصافا في سوق الشغل. كما يعكس هذا المشروع أهمية بناء مؤسسات تعليمية دامجة قادرة على استيعاب الاختلاف وتوفير الظروف المناسبة للتعلم، بما يجعل الإعاقة غير عائق أمام الطموح أو التحصيل العلمي أو تحقيق الاستقلالية.
ومن شأن جامعة لالة أسماء أن تشكل إضافة نوعية إلى منظومة التعليم الدامج، من خلال إرساء نموذج تعليمي يضع احتياجات الصم وضعاف السمع في صلب اهتماماته، ويربط بين التكوين الأكاديمي ومتطلبات الإدماج المهني والاجتماعي. كما تبرز هذه المبادرة أهمية الشراكات العلمية والمؤسساتية في تطوير فرص التعليم المتخصص، وفتح آفاق جديدة أمام فئة تستحق الاستفادة من إمكاناتها كاملة، في أفق مجتمع أكثر إنصافا يضمن للجميع الحق في التعلم والمشاركة والإسهام في التنمية.