منى فتو: “لا يمكنني تقديم أي شيء من أجل الظهور فقط والاشتغال دون اقتناع به”

في كل مرة تعود فيها منى فتو إلى الواجهة، يبدو حضورها مختلفا عن مجرد ظهور فني عابر، إذ ترتبط تجربتها على الدوام باختيار الأدوار التي تحمل قيمة درامية وتمنحها فرصة حقيقية لاختبار أدواتها كممثلة. وعلى امتداد سنوات طويلة، استطاعت فتو أن تحافظ على مكانتها داخل المشهد الفني المغربي بفضل حضور يقوم على الانتقاء أكثر من كثرة الظهور، وعلى الإيمان بأن الممثل لا يقاس بعدد الأعمال التي يشارك فيها، وإنما بقدرته على ترك أثر لدى الجمهور. وبين السينما والتلفزيون والمسرح، ظلت الفنانة المغربية وفية لرؤية فنية جعلتها واحدة من الأسماء التي ارتبطت في ذاكرة الجمهور بأدوار متنوعة وشخصيات ذات أبعاد إنسانية واجتماعية واضحة.

وتنحدر منى فتو من منطقة الأطلس المتوسط، وتحديدا من مدينة أزرو، قبل أن تنشأ بمدينة الرباط وتستقر لاحقا بالدار البيضاء. بدأت علاقتها بالتمثيل منذ طفولتها، حيث كانت تشارك في الأنشطة والحفلات المدرسية، قبل أن تتطور تجربتها من المسرح إلى السينما والتلفزيون. وكانت انطلاقتها السينمائية البارزة في سن مبكرة جدا من خلال فيلم «حب في الدار البيضاء» للمخرج عبد القادر لقطع، وهي تجربة شكلت نقطة تحول أساسية في مسارها، قبل أن تواصل حضورها في أعمال سينمائية وتلفزيونية ومسرحية عديدة، من بينها «البحث عن زوج امرأتي» و«نساء ونساء» و«وداعا أمهات» و«درب مولاي الشريف» وغيرها. كما ارتبط اسمها بأدوار متميزة في التلفزيون، من بينها مشاركتها في «بنات العساس»، وهو العمل الذي توجت عنه بجائزة أفضل ممثلة في المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون بتونس، وهو تتويج اعتبرته الفنانة مسؤولية إضافية تدفعها إلى مزيد من الدقة في اختيار أعمالها المقبلة.

وكشفت منى فتو في تصريحات صحفية لها لجريدة «هسبريس» خلال مارس 2025، بالتزامن مع عرض مسلسل «رحمة»، عن جانب أساسي من رؤيتها للأعمال الفنية، مؤكدة أن اختيارها للدور لم يكن قرارا عابرا، بل جاء نتيجة اقتناعها بالفكرة وبالتركيبة الإنسانية للشخصية. وأوضحت أنها عندما اقترحت عليها الكاتبة بشرى ملاك الدور، وجدت قصة امرأة مطلقة تعيش مع شخص سام، قبل أن يضاف إلى الشخصية عنصر جديد يتمثل في كونها أما لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما جعلها تتحمس للعمل وترى أن هذه الإضافة أغنت السيناريو ومنحت الشخصية عمقا أكبر. وأضافت أنها واكبت الاشتغال على الشخصية منذ مرحلة الكتابة، وكانت تعقد جلسات مع السيناريست لمناقشة تفاصيلها ومشاهدها، الأمر الذي جعلها تصل إلى موقع التصوير وهي تعيش الشخصية بشكل كامل. وعبرت عن تقديرها للمخرج علي مجبود ولطريقة تعامله مع الممثلين، معتبرة أن حبه للعمل والجهد الذي بذله كان لهما دور كبير في النتيجة النهائية.

وعبرت فتو، في الحوار ذاته، عن تمسكها بفكرة انتقاء الأدوار والابتعاد عن الظهور لمجرد الحضور، مؤكدة أن بدايتها السينمائية المبكرة، حين أدت دور البطولة وهي في سن الثامنة عشرة، جعلتها تشعر منذ البداية بضرورة الحفاظ على مستوى معين في اختياراتها. وقالت إن طبيعتها الشخصية والمهنية تدفعها إلى أن تكون صادقة في قراراتها، وإنها تحترم كثيرا ذكاء الجمهور المغربي، لذلك لا تستطيع تقديم أي عمل فقط من أجل الظهور أو الاشتغال دون اقتناع. كما تحدثت عن تعاملها مع الانتقادات، موضحة أنها ترحب بالانتقاد المهني الواضح المبني على أسس صحيحة لأنه يساعدها على التقدم وتطوير أدائها، في حين لا تولي اهتماما للانتقادات التي تتحول إلى تنمر أو عدوانية. وفي السياق نفسه، دافعت عن حق الممثل المغربي في الاشتغال، موضحة أن الفنان لا يتحكم دائما في توقيت عرض أعماله، وأن تأجيل المشاريع قد يؤدي أحيانا إلى ظهور الفنان نفسه في أكثر من عمل خلال الفترة ذاتها، وهو أمر لا ينبغي تحميله للممثل.

ولم يكن مسلسل «رحمة» مجرد محطة عابرة في مسار منى فتو، بل شكل تجربة اختبرت فيها قدرتها على تقديم شخصية مثقلة بالألم والصمت والعنف، وهو ما جعلها تتحدث عن المسؤولية التي شعرت بها أثناء تجسيدها للدور. وأوضحت أن مشاهد التعنيف تطلبت منها ومن زميلها عبد الله ديدان الاشتغال على تقنيات تجعل المشاهد قريبة من الواقع، مشيرة إلى أنها تعرضت للضرب لأول مرة في حياتها الفنية أثناء التصوير، مع الحرص على ضبط المشاهد بطريقة آمنة. كما أكدت أن هدفها كان نقل معاناة الشخصية بصدق، معتبرة أن الصمت قد يكون أحيانا أكثر قدرة على التعبير من الكلام. ولفتت إلى أن نجاح العمل كان بالنسبة إليها وللفريق مصدر فخر للمغرب، لأنه برهن، حسب تعبيرها، على وجود كفاءات وطنية في التمثيل والإخراج والكتابة قادرة على تقديم أعمال ترفع من شأن الإنتاج المغربي.

وفي مسار طويل لم تتوقف خلاله عن إعادة النظر في علاقتها بالمهنة، تبدو منى فتو اليوم أكثر ارتباطا بفكرة الجودة والاختيار من أي وقت مضى. فقد سبق أن أكدت في حوار صحفي أن هدفها من الأعمال ليس البحث عن الشهرة، وإنما تحقيق ذاتها من خلال أدوار تعجبها وتتيح لها تجسيد شخصيات مختلفة، معتبرة أن الشهرة تأتي مع مرور الوقت عندما يكون الفنان مقتنعا بما يقدمه. كما عبرت في مراحل سابقة عن رغبتها في خوض أدوار تاريخية وتجسيد شخصيات نسائية تركت بصمتها في التاريخ العربي، وأبدت انفتاحها على العمل خارج المغرب متى وجدت الدور المناسب، مؤكدة أن الفن لا تحده الحدود الجغرافية إذا توفرت فرصة إبداعية تستحق التجربة.

ومع استمرار حضورها في المشهد الفني، تظل منى فتو نموذجا لفنانة اختارت أن تجعل من الانتقاء جزء من هويتها المهنية، وأن تراهن على قوة الشخصية قبل عدد المشاركات. وبين نجاح «رحمة» وعودة اسمها إلى الواجهة في مشاريع فنية مختلفة، تبدو تجربتها مفتوحة على مراحل جديدة، خصوصا أنها أكدت أنها تشتاق إلى العودة إلى المسرح بعد غياب، وهو ما يعكس رغبة مستمرة في خوض تجارب جديدة وعدم الاكتفاء بما تحقق. وفي النهاية، فإن قيمة منى فتو لا تكمن فقط في رصيد الأعمال التي قدمتها، وإنما في قدرتها على الحفاظ على حضور فني يقوم على القناعة والصدق والبحث الدائم عن الدور الذي يضيف شيئا إلى مسيرتها وإلى ذاكرة الجمهور المغربي.

منى فتو: "لا يمكنني تقديم أي شيء من أجل الظهور فقط والاشتغال دون اقتناع به"