في المشهد الفني المغربي، لا تقتصر قيمة الفنان على عدد الأعمال التي يشارك فيها، بقدر ما ترتبط بقدرته على صناعة مسار متفرد يحافظ من خلاله على حضوره ويمنح الجمهور في كل مرحلة سببا جديدا لمتابعته. ومن هذا المنطلق، استطاع الفنان عبد العالي لمهر، المعروف بلقب «طاليس»، أن يصنع لنفسه مكانة خاصة داخل الكوميديا المغربية، مستفيدا من تعدد تجاربه وانفتاحه على المسرح والتلفزيون والسينما، إلى جانب اهتمامه بالكتابة وصناعة العروض واكتشاف الطاقات الشابة. وبين الرغبة في تقديم محتوى مختلف والبحث عن شخصيات وتجارب جديدة، يواصل طاليس بناء مسار فني يقوم على التنوع والمغامرة وعدم الاكتفاء بما حققه سابقا.
يعد عبد العالي لمهر، المعروف فنيا باسم «طاليس»، من أبرز الأسماء التي برزت في الكوميديا المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث تمكن من الانتقال من التجارب الكوميدية إلى مجالات فنية أخرى، خصوصا المسرح والسينما، مستفيدا من خبرته في الكتابة والتأليف وتقديم العروض. وارتبط اسمه بعدد من المشاريع الفنية التي جعلته قريبا من الجمهور المغربي، كما خاض تجربة سينمائية من خلال فيلم «الإخوان»، الذي اشتغل فيه على الفكرة والسيناريو والحوار، إلى جانب مشاركته في البطولة والإدارة الفنية. وكان طاليس قد أوضح في تصريحات إعلامية سابقة أن فكرة الفيلم تعود إلى سنة 2014، قبل أن تتأخر عملية إنجازه بسبب مجموعة من الظروف، من بينها تداعيات جائحة كورونا، مشيرا إلى أن العمل شكل بالنسبة إليه تجربة مختلفة سمحت له بالابتعاد عن بعض القوالب التي اعتاد الجمهور رؤيته فيها.
وكشف طاليس في تصريحات صحفية له أن العمل الفني بالنسبة إليه لا ينبغي أن يظل محصورا في تقديم الضحك فقط، وإنما يتطلب البحث المستمر عن أفكار وشخصيات وصيغ جديدة قادرة على الوصول إلى الجمهور. وعبر عن اهتمامه بتطوير تجربته والانتقال بين مجالات فنية متعددة، مؤكدا أن السينما كانت بالنسبة إليه فرصة لاختبار أدوات مختلفة عن تلك التي يعتمد عليها في الكوميديا، سواء على مستوى الكتابة أو بناء الشخصيات أو طريقة الاشتغال على المشاهد. وأضاف أن تجربته في فيلم «الإخوان» لم تكن مجرد انتقال عابر إلى الشاشة الكبيرة، بل جاءت نتيجة سنوات من التفكير والإعداد، وهو ما يعكس حرصه على خوض التجارب الجديدة بعد دراستها والعمل على تفاصيلها، بدل الاكتفاء بتكرار الصيغ التي حققت له النجاح سابقا.
وفي سياق اهتمامه بالمشهد الكوميدي المغربي، عبر طاليس عن أهمية دعم المواهب الشابة ومنحها الفرصة للظهور أمام الجمهور، معتبرا أن تطور الكوميديا يرتبط بوجود أسماء جديدة وأفكار مختلفة قادرة على تجديد هذا المجال. وقد تجسد هذا التوجه في عدد من المبادرات الفنية التي شارك في تنظيمها وتأطيرها، من بينها «كأس الفكاهة»، التي هدفت إلى اكتشاف طاقات كوميدية جديدة ومنحها فرصة الاحتكاك بالجمهور والاستفادة من المواكبة الفنية. وأوضح أن مثل هذه المبادرات تتيح للشباب فرصة الانتقال من مرحلة الهواية إلى الاحتراف، كما تمنح الكوميديا المغربية إمكانية تجديد دمائها باستمرار. ويبدو أن هذا التصور أصبح جزءا من رؤيته الفنية، خصوصا مع حرصه على تشجيع المواهب التي تمتلك القدرة على تقديم أساليب مختلفة في الكتابة والأداء وصناعة العرض الكوميدي.
ولا يخفي طاليس كذلك رغبته في توسيع حضوره داخل السينما والاشتغال على مشاريع تمنحه مساحة أكبر للتعبير عن قدراته في الكتابة والأداء. فالتجربة السينمائية جعلته أمام تحديات مختلفة عن الخشبة والعروض الكوميدية، وهو ما دفعه إلى التعامل مع الشخصية والحوار والإيقاع بطريقة أكثر ارتباطا بخصوصيات العمل السينمائي. كما أن حضوره المتواصل في المشهد الفني يعكس قدرة على الانتقال بين أكثر من مجال دون التخلي عن هويته الكوميدية، مع السعي إلى تطويرها باستمرار. وبين المشاريع الجديدة والعروض والاشتغال على المواهب، يؤكد طاليس أن الفنان يحتاج إلى التجدد حتى يحافظ على علاقته بالجمهور، وأن النجاح لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للتوقف عن البحث والمغامرة.
ومع مرور السنوات، يبدو أن تجربة طاليس تتجه نحو مرحلة أكثر تنوعا، بعدما أصبح اسمه مرتبطا بالكوميديا والكتابة والعروض المسرحية والسينما، إلى جانب اهتمامه بالمواهب الصاعدة وصناعة مشاريع تمنح المشهد الفني المغربي نفسا جديدا. وبينما يواصل الاشتغال على اختياراته الفنية، يظل التحدي الأكبر أمامه هو الحفاظ على قدرته على التجدد وتقديم أعمال تحمل بصمته الخاصة دون الوقوع في فخ التكرار. وفي هذا المسار، يثبت طاليس أن الحضور الفني الحقيقي لا يصنعه الظهور المتكرر فقط، وإنما تبنيه القدرة على خوض تجارب مختلفة، والتعلم من كل محطة، وتحويل كل تجربة جديدة إلى خطوة إضافية في مسار فني يواصل البحث عن آفاق أوسع.