سعيدة باعدي تؤكد استقلالية اختياراتها وتبرز: عودتي للكوميديا مغامرة محسوبة لنقل الهوية المغربية
تتحرك بخطى هادئة خلف الكاميرا، لكنها تحمل في جعبتها عمقا تشخيصيا قادرا على تحويل أبسط الأدوار إلى لوحات فنية نابضة بالحياة والصدق؛ إنها النجمة التي لطالما احترمت وعي المشاهد المغربي فبادلها حبا وتقديرًا ممتدا لعقود. في زمن أصبح فيه الوجود الفني محكوما بمنطق العلاقات والظهور المكثف، تطل هذه الفنانة المتميزة لتثبت أن الغياب المدروس والانتقاء الصارم هما السلاح الحقيقي للحفاظ على كرامة القلم وقوة الأداء فوق الشاشة.
وتعد الفنانة سعيدة باعدي، خريجة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، من الأعمدة الرصينة في المشهد الدرامي المغربي، حيث شيدت مسيرة ذهبية تمتد لسنوات طويلة من العطاء الملتزم. وعرفت باعدي بقدرتها الفائقة على التنقل بسلاسة بين الأعمال الاجتماعية الإنسانية والكوميديا الذكية، وبصمت على حضور قوي في وجدان الجماهير عبر مسلسلات متميزة مثل “البيوت أسرار” و”لحبيب لغالي”، إلى جانب تألقها السينمائي اللافت في أفلام كبرى مثل “امرأة في الظل” الذي نال استحسان النقاد.
أفادت عبر منصات الإعلام المغربي بأن وضعها المادي المستقر جنبها طوال مسيرتها المهنية قبول أدوار غير مقتنعة بها أو السقوط في فخ المجاملات على حساب القيمة الفنية للأعمال، لافتة إلى أن مسارها الفني لم يخضع أبدا لمنطق الضرورة. وأوضحت النجمة القديرة في تصريح خاص لها أن كل خطوة تخطوها في عالم التمثيل تمثل مغامرة محسوبة بدقة، تهدف من خلالها إلى تطوير تجربتها الإبداعية دون التفريط في جودة ومستوى الرسائل المقدمة للمجتمع.
وجاء في معرض حديثها تعبير صريح عن اعتزازها الكبير بالدور الثقافي الذي يلعبه الممثل المغربي في العصر الحالي، معتبرة أن الفنان يمثل سفيرا حقيقيا للثقافة والتراث المحلي عبر العالم من خلال نقل تفاصيل الحياة اليومية واللباس التقليدي والعادات العريقة. وأردفت الممثلة المغربية بأن عودتي الأخيرة لخوض تجارب في اللون الكوميدي لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة قناعة راسخة بالنصوص الإبداعية المطروحة وقدرة الفكاهة الذكية على معالجة قضايا المجتمع وإبراز ملامح الهوية المغربية بأسلوب متزن.
وعلقت باعدي على الجدل السائد حول تكرار نفس الأسماء الفنية على الشاشات المغربية، مبينة أن هذا الانطباع غالبا ما يكون غير دقيق ويرتبط بتوقيت بث القنوات للأعمال في موسم واحد وليس باحتكار الأدوار من فئة معينة. وذكرت أن تصوير المسلسلات يتم في فترات زمنية متفرقة ومتباعدة، غير أن برمجتها المتزامنة تظلم الفنان أحيانا وتوحي للجمهور بوجود تكرار، مشددة على ضرورة إتاحة الفرص بالتساوي أمام الجميع.
وأكدت الفنانة المغربية أنها تدعم بقوة دمج الطاقات الشابة والصاعدة إلى جانب الأسماء الرواد والمخضرمة، لكون هذا المزيج يثري الإنتاج الوطني ويسهم في الطفرة النوعية والتحسن الملموس الذي تشهده الدراما التلفزيونية في السنوات الأخيرة. وخلصت باعدي في نهاية حديثها إلى حرصها على قضاء إجازتها الصيفية رفقة أسرتها الصغيرة وزوجها المخرج حميد باسكيط وبناتها، معتبرة أن الاستقرار الأسري هو الوقود الحقيقي الذي يمنحها التوازن والإبداع لمواصلة العطاء الفني.
إن المسار المتزن والثابت الذي تمشي عليه سعيدة باعدي يمثل نموذجا ملهما لجيل الشباب في كيفية بناء هوية فنية مستقلة تعتمد على الكفاءة الأكاديمية والصدق الإنساني. ومع تمسكها الصارم بجودة المضمون ورفضها التنازل عن مبادئها التحريرية، تظل باعدي رقما صعبا يضمن للمشاهد المغربي تجربة بصرية راقية تمزج بين متعة الفن ورصانة الرسالة، لتؤكد أن البقاء في ذاكرة الشعوب يكون دائما للأصالة والتميز.