سعيد أيت باجا: “لا أبحث عن الظهور فقط وأبحث عن العمل الذي يضيف إلى مساري”

في زمن أصبحت فيه الشهرة أقرب من أي وقت مضى، لا يزال بعض الفنانين يصرون على أن قيمة المسار الفني لا تقاس بعدد مرات الظهور، وإنما بنوعية الأعمال التي يتركون من خلالها بصمتهم لدى الجمهور. ومن بين هؤلاء يبرز سعيد أيت باجا، الذي اختار منذ بداياته أن يجعل الفن رحلة بحث وتجربة وتطور، بعيدا عن هاجس الحضور المستمر أمام الكاميرا. وبين المسرح والتلفزيون والسينما، استطاع الفنان المغربي أن يراكم تجربة جعلته من الأسماء التي تحظى باحترام داخل الساحة الفنية المغربية، خصوصا بفضل تنوع أدواره وارتباطه المستمر بالتكوين والمسرح.

ويعد سعيد أيت باجا من الفنانين المغاربة الذين بنوا مسارهم على التكوين الأكاديمي والممارسة الميدانية، إذ تخرج من المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، بعدما درس الفلسفة بجامعة القاضي عياض بمراكش، قبل أن يختار التمثيل مجالا للتخصص والاحتراف. وارتبط اسمه منذ سنوات بالمسرح، إلى جانب مشاركته في أعمال تلفزيونية وسينمائية مختلفة، كما حصل على عدد من الجوائز، من بينها الجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للمسرح بمكناس سنة 2008، وجائزة أحسن ممثل بالمهرجان سنتي 2009 و2010. ولم يبتعد عن مجال التكوين بعد دخوله عالم الاحتراف، بل عاد إلى المؤسسة التي تخرج منها ليعمل أستاذا، واضعا تجربته الفنية والمعرفية في خدمة الأجيال الجديدة من الفنانين.

وكشف في تصريحات صحفية له عن رؤيته الخاصة للشهرة والحضور الفني، مؤكدا أنه لا يعتبر الظهور هدفا في حد ذاته، وأن اختياراته ترتبط أساسا بما يمكن أن يضيفه العمل إلى تجربته. وسبق أن أوضح في حديث صحفي أنه لم يبحث يوما عن الشهرة، مشيرا إلى أن المسرح ظل بالنسبة إليه حلما قديما وفضاء أساسيا للتعبير والتجريب. ومن هذا المنطلق يمكن تلخيص موقفه في تصريحه الذي يعبر بوضوح عن فلسفته الفنية قائلا: «لا أبحث عن الظهور فقط وأبحث عن العمل الذي يضيف إلى مساري». ويعكس هذا التصريح رغبة الفنان في الحفاظ على مسار يقوم على الاختيار والانتقائية، بدل المشاركة في أعمال لمجرد ضمان حضور متكرر على الشاشة.

وعبر أيت باجا في تصريحات أخرى عن موقفه من واقع الأعمال الفنية المغربية، موضحا أن نجاح أي إنتاج لا يرتبط بالممثل وحده، وإنما هو نتيجة لتكامل مجموعة من العناصر التي تبدأ من الكتابة وتمر بالإخراج والإنتاج وتنتهي بالأداء. وأضاف أن تحميل الممثل وحده مسؤولية ضعف أي عمل يختزل مشكلة مركبة في عنصر واحد، لأن الفنان لا يتحكم دائما في النص أو ظروف التصوير أو الاختيارات الإنتاجية. ويكشف هذا الموقف عن نظرة أوسع يتبناها أيت باجا تجاه الصناعة الفنية، إذ يرى أن تطوير المنتوج المغربي يحتاج إلى الاهتمام بكل مراحل الإنتاج، وخاصة الكتابة والتكوين، حتى تكون الأعمال أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الجمهور.

كما تحدث الفنان المغربي عن اختياراته في مجال الكوميديا، موضحا أنه ابتعد عن السيتكوم بعد سنوات من التجربة، بسبب الصورة التي أصبحت مرتبطة بهذا النوع لدى جزء من الجمهور، حيث يتم أحيانا اختزاله في أعمال خفيفة لا تمنح الممثل المساحة الكافية للاشتغال على الشخصية. وفي المقابل، وجد أيت باجا في الدراما مجالا يسمح له بتقديم شخصيات أكثر تنوعا وتعقيدا، وتطوير أدواته كممثل. ومع ذلك، لم يتعامل مع الكوميديا باعتبارها فنا أقل قيمة، بل أكد في أكثر من مناسبة أن الممثل الحقيقي مطالب بالقدرة على التعامل مع مختلف الأنماط والشخصيات، شرط أن تكون هناك كتابة جيدة ورؤية إخراجية واضحة تمنح العمل فرصة حقيقية للنجاح.

ولا تنفصل تجربة سعيد أيت باجا عن علاقته القوية بالمسرح، الذي ظل حاضرا في مختلف مراحل مساره، سواء من خلال التمثيل أو التأطير والتكوين والمشاركة في الفعاليات المسرحية. كما ارتبط اسمه بالمهرجان الدولي للمعاهد المسرحية، في إطار اهتمامه بتبادل التجارب وتعزيز حضور المسرح المغربي ضمن المشهد الدولي. ويؤكد هذا الجانب من تجربته أن الفنان لا ينظر إلى التمثيل باعتباره مجرد مهنة مرتبطة بالشاشة، بل باعتباره مجالا معرفيا وفنيا يحتاج إلى الدراسة والتكوين المستمر والانفتاح على التجارب المختلفة.

وبين حضور فني متنوع وتجربة طويلة في المسرح والتلفزيون والسينما، يواصل سعيد أيت باجا الحفاظ على اختياراته بعيدا عن البحث السريع عن الأضواء. فبالنسبة إليه، قيمة الفنان تكمن في الأعمال التي يترك من خلالها أثرا حقيقيا، وفي الشخصيات التي تمنحه فرصة لاكتشاف جوانب جديدة من موهبته. لذلك يبدو تصريحه حول عدم البحث عن الظهور مجرد عبارة تلخص فلسفة كاملة في العمل الفني، فلسفة تجعل جودة التجربة أهم من كثرة الحضور، وتجعل كل خطوة جديدة في مساره مرتبطة برغبة حقيقية في الإضافة والتطور.

سعيد أيت باجا: "لا أبحث عن الظهور فقط وأبحث عن العمل الذي يضيف إلى مساري"