هاجر الشركي تكشف كواليس تجربتها أمام الكاميرا وتعبر عن تمسكها بجذورها المسرحية

حين تختار الفنانة أن تترك للشخصية مساحة كي تتحدث عنها، يصبح كل ظهور جديد محطة لاختبار الموهبة والقدرة على التجدد، وهو الرهان الذي يبدو أن هاجر الشركي جعلته عنوانا لمسارها الفني. فبين خشبة المسرح التي منحتها أدوات التعبير الأولى، والشاشة التي وسعت دائرة حضورها لدى الجمهور، تواصل الفنانة المغربية خوض تجارب مختلفة، واضعة نصب عينيها البحث عن أدوار تحمل قيمة فنية وتسمح لها بالابتعاد عن التكرار. ومع حضورها في عدد من الأعمال الدرامية، تمكنت الشركي من لفت الانتباه إلى أسلوب خاص في التعامل مع الشخصيات، يجمع بين العفوية والاشتغال الدقيق على التفاصيل، لتؤكد أن الحضور الفني لا يقاس دائما بحجم الدور، وإنما بمدى قدرة الفنان على ترك بصمته داخله.

هاجر الشركي فنانة مغربية راكمت تجربة متعددة الأوجه في مجالات التمثيل والغناء والمسرح، واستفادت من تكوينها في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، قبل أن تنفتح على مجموعة من التجارب التلفزيونية والمسرحية والسينمائية. وارتبط اسمها بعدد من الأعمال التي منحتها فرصة الاحتكاك بشخصيات ومواضيع مختلفة، من بينها «سالف عذرا» و«مولات السعد» و«تزوج ما قالها ليا»، إلى جانب تجارب مسرحية جعلت الخشبة جزءا أساسيا من هويتها الفنية. كما عززت حضورها في الدراما من خلال مشاركتها في الجزء الثالث من «بنات لالة منانة»، حيث جسدت شخصية «غيثة»، وهي تجربة أتاحت لها الاقتراب أكثر من الجمهور والتأكيد على قدرتها في الانتقال بين التعبير المسرحي ومتطلبات الأداء أمام الكاميرا.

وكشفت هاجر الشركي في تصريحات صحفية لها أن مشاركتها في «بنات لالة منانة» شكلت تجربة خاصة بالنسبة إليها، خصوصا من خلال شخصية «غيثة» التي رأت فيها مساحة لاكتشاف جوانب جديدة من أدائها. وعبرت عن وجود بعض نقاط التشابه بينها وبين الشخصية، من بينها الروح المرحة وحب الغناء والرغبة في مساعدة الآخرين، لكنها أكدت في المقابل أن «غيثة» تختلف عنها في بعض السلوكيات، لاسيما فضولها تجاه تفاصيل حياة المحيطين بها. وأضافت أن الاشتغال على الشخصية استند إلى نص مكتوب بعناية، وهو ما جعلها حريصة على احترام البناء الدرامي وعدم الخروج عنه إلا في الحالات التي يتيح فيها المخرج مساحة للارتجال، مؤكدة أن طبيعة العمل التلفزيوني تختلف عن المسرح الذي يمنح الممثل هامشا أوسع للتفاعل والارتجال.

وعبرت الشركي عن تقديرها للتجربة الدرامية التي خاضتها، معتبرة أن العمل أتاح تقديم نماذج نسائية متعددة تعكس اختلاف الشخصيات والطباع والظروف الاجتماعية. وأضافت أن حضور الموروث الشفشاوني داخل الأحداث كان من العناصر التي منحت العمل خصوصيته، خاصة من خلال توظيف «الحضرة الشفشاونية»، وهو جانب يرتبط أيضا بتجربتها الشخصية وعلاقتها المبكرة بالغناء والتراث. ولم يكن هذا الجانب بالنسبة إليها مجرد عنصر فني عابر، إذ ارتبط بتكوينها وذاكرتها العائلية، حيث نشأت في محيط كان فيه الغناء الصوفي والتراث الشفهي حاضرين بقوة. ومن هنا، بدا واضحا أن الشركي لا تتعامل مع الفن باعتباره أداء فقط، وإنما كمساحة تستحضر من خلالها الذاكرة والثقافة والهوية، وهي عناصر تحاول نقلها إلى أعمالها بأسلوبها الخاص.

ولا تقف تجربة هاجر الشركي عند حدود التمثيل، إذ ظل الغناء حاضرا في مسارها، سواء من خلال تجاربها الفنية أو مشاركاتها المرتبطة بالأعمال الدرامية، وهو ما دفعها أيضا إلى الاشتغال على مشروع وثائقي يحمل عنوان «سفر الصوت»، تسعى من خلاله إلى الاقتراب من التراث الغنائي والشفهي واستعادة جزء من الذاكرة الفنية لشفشاون ونواحيها. كما شكل المسرح بالنسبة إليها فضاء أساسيا للتكوين والتجريب، في الوقت الذي أصبحت فيه الشاشة مجالا آخر لاختبار أدواتها أمام جمهور أوسع. وتكشف هذه الاختيارات عن فنانة لا تبحث عن الحضور لمجرد الحضور، وإنما تحاول أن تجعل من كل تجربة إضافة حقيقية إلى مسارها، سواء تعلق الأمر بشخصية درامية أو عرض مسرحي أو مشروع غنائي.

ومع استمرارها في التنقل بين المسرح والدراما والغناء، تبدو هاجر الشركي أكثر ميلا إلى بناء مسار فني متنوع لا تحكمه خانة واحدة. فهي تمنح للشخصية أهميتها، وللنص مكانته، وللتجربة بعدها الإنساني، وهو ما يجعل اختياراتها امتدادا لرغبة واضحة في التطور وعدم الوقوف عند حدود ما تحقق. وبين أضواء الشاشة ودفء الخشبة وامتداد الصوت، تواصل الشركي صياغة حضورها بهدوء، واضعة أمامها تحديا أكبر يتمثل في أن تظل كل تجربة جديدة فرصة لاكتشاف جانب آخر من موهبتها، وأن تحمل بصمتها الخاصة إلى كل عمل تخوضه.

هاجر الشركي تكشف كواليس تجربتها أمام الكاميرا وتعبر عن تمسكها بجذورها المسرحية