في الوقت الذي أصبح فيه الحضور المتكرر على الشاشة معيارا شائعا لقياس استمرارية الفنان، اختار مالك أخميس مسارا مختلفا يقوم على الانتقاء والتأني، واضعا قيمة الدور في مقدمة حساباته الفنية. فالممثل المغربي لم يجعل من كثرة الظهور غاية، بقدر ما ظل منشغلا بالبحث عن الشخصيات التي تمنحه فرصة لاكتشاف مناطق جديدة في أدائه، وتدفعه إلى مغادرة المألوف نحو تجارب أكثر تعقيدا. وبين خشبة المسرح التي شكلت إحدى أهم محطات تكوينه، والسينما التي وجد فيها مجالا رحبا للتعبير، يواصل أخميس رسم مسار فني متدرج، تتقاطع فيه الرغبة في التجديد مع طموح الانفتاح على تجارب خارج الحدود.
يعد مالك أخميس من الأسماء المغربية التي راكمت تجربة متعددة الحضور بين المسرح والسينما والتلفزيون، مستفيدا من تكوينه الأكاديمي والعملي الذي ساعده على صقل أدواته في التمثيل. وانطلقت علاقته الجدية بالمسرح خلال مرحلة دراسته بكلية الآداب بن مسيك، قبل أن يواصل تكوينه في فرنسا، حيث انفتح على مجالات مرتبطة بالممارسة المسرحية، من التمثيل إلى الديكور والإضاءة والإخراج. كما شكل احتكاكه بعدد من الأسماء المسرحية المغربية، وفي مقدمتها الراحل الطيب الصديقي، تجربة مهمة في بناء شخصيته الفنية. وعلى امتداد مساره، اختار أخميس الاشتغال على شخصيات مختلفة، واضعا التنوع والتجريب ضمن العناصر الأساسية التي تمنح تجربته خصوصيتها.
كشف في تصريحات صحفية له أن المرحلة الجديدة من مساره الفني تحمل مجموعة من المشاريع التي يراهن من خلالها على توسيع دائرة حضوره، خصوصا في السينما والأعمال ذات الطابع الدولي. وأوضح في حديث صحفي أن انفتاحه على الإنتاجات الأوروبية والمشتركة أتاح له خوض تجارب مختلفة، من بينها مشاركته في فيلم «أمل» الذي صور في بلجيكا، معتبرا أن العمل خارج السياق المعتاد يمنح الممثل فرصة لاكتساب خبرات جديدة وتطوير أدواته. كما تحدث عن مشاركته في مسلسل «أبطال الرمال»، وهو عمل تاريخي باللغة العربية الفصحى يتناول فترة من العصر الجاهلي، إلى جانب ارتباط اسمه بمشاريع أخرى قيد التحضير، من بينها سلسلة بوليسية تجمع ثلاثة مخرجين مغاربة، فضلا عن مشاريع سينمائية جديدة، وهو ما يعكس رغبته في التنقل بين أنماط وتجارب مختلفة بدل الاستقرار في خانة فنية واحدة.
وعبر مالك أخميس، في أكثر من مناسبة، عن ارتباطه بالأدوار المركبة التي تمنح الممثل مساحة أوسع للبحث والتجريب، مشيرا إلى أن الشخصية التي تستفزه فنيا هي التي تدفعه إلى الخروج من منطقة الراحة وتفرض عليه الاشتغال على تفاصيلها النفسية والسلوكية. وأضاف أن حجم الدور ليس العامل الحاسم بالنسبة إليه، بقدر ما تهمه طبيعة الشخصية وما يمكن أن تضيفه إلى تجربته، وهو تصور جعله أكثر ميلا إلى الأعمال التي تتطلب استعدادا خاصا وتمنح الممثل فرصة لصناعة شخصية لها ملامحها الخاصة. كما أكد أن التنوع بالنسبة إليه ليس مجرد تغيير في الأدوار، وإنما وسيلة لتجنب التكرار والحفاظ على الشغف الذي دفعه إلى اختيار مهنة التمثيل، لذلك يفضل الشخصيات التي تحمل تحديا جديدا وتجعله أمام مسؤولية فنية مختلفة في كل تجربة.
وفي حديثه عن السينما، عبر أخميس عن مكانة خاصة يمنحها لهذا الفن، معتبرا أن الشاشة الكبيرة توفر للممثل إمكانات واسعة للتعمق في الشخصية والاشتغال على تفاصيلها، دون أن يعني ذلك التخلي عن المسرح الذي ظل حاضرا في تكوينه ووجدانه. كما تطرق إلى واقع الصناعة السينمائية المغربية، مؤكدا أهمية الانتقال من إنتاج الأفلام فقط إلى بناء صناعة متكاملة قادرة على الترويج للأعمال والوصول بها إلى جمهور أوسع. وفي السياق نفسه، شدد على أن الوصول إلى العالمية لا يرتبط فقط بالموضوعات المثيرة للجدل، وإنما بجودة الكتابة والإخراج والأداء وقدرة الفيلم على تقديم رؤية فنية وإنسانية قادرة على تجاوز الحدود.
ويواصل مالك أخميس اليوم تثبيت حضوره من خلال اختيارات تحاول الجمع بين التجربة والتجديد، مستفيدا من تراكم سنوات من العمل في المسرح والسينما والتلفزيون، ومن انفتاحه على تجارب إنتاجية مختلفة. كما عبر عن ثقته في قدرة الممثل على الحفاظ على مكانته رغم التحولات التكنولوجية المتسارعة، مؤكدا أن الإحساس الإنساني يظل عنصرا لا يمكن الاستغناء عنه في الأداء. وبين شخصيات تاريخية وأخرى مركبة، ومشاريع مغربية وأعمال تتجاوز الحدود، يبدو أن أخميس لا يبحث عن حضور عابر، وإنما عن أدوار تترك أثرا حقيقيا في مساره، وتمنحه في كل مرة فرصة جديدة لإثبات أن الممثل الحقيقي هو من يستطيع أن يتغير دون أن يفقد بصمته الخاصة.