في عالم السوشال ميديا، قد لا تحتاج صناعة الشهرة سوى إلى هاتف وكاميرا وفكرة قادرة على جذب الانتباه، لكن الطريق نحو ملايين المشاهدات ليس دائما خاليا من المخاطر. فالمحتوى الذي يصنع لصاحبه شعبية واسعة ويرفع عدد متابعيه في وقت قياسي، قد يتحول في لحظة إلى مصدر للمساءلة، خصوصا عندما يتجاوز ما ينشره حدود التعبير أو الترفيه ويدخل في نطاق أفعال قد يجرمها القانون. وبين الرغبة في تحقيق الانتشار والسعي إلى حصد أكبر عدد من المشاهدات، وجد عدد من مشاهير المنصات الرقمية أنفسهم أمام الشرطة أو النيابة العامة أو القضاء.
وتعود هذه القضية إلى الواجهة مجددا مع توقيف المؤثرة المغربية سكينة جناح، المعروفة بلقب “كلامور”، من طرف أمن مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، أثناء استعدادها لمغادرة التراب الوطني. وجاءت هذه الخطوة على خلفية مقاطع فيديو منسوبة إليها، أثارت جدلا واسعا بسبب طبيعة مضمونها، قبل أن تعطي النيابة العامة المختصة تعليماتها بفتح بحث قضائي للوقوف على مختلف ملابسات القضية وتحديد المسؤوليات المحتملة. ويأتي هذا التطور ليعيد النقاش حول طبيعة المحتوى الذي يقدمه بعض المؤثرين، والحد الفاصل بين الحرية الشخصية والمسؤولية القانونية عندما يصبح المحتوى متاحا أمام جمهور واسع.
“كلامور”.. اسم يعود إلى الواجهة من بوابة جديدة
ليست هذه المرة الأولى التي يرتبط فيها اسم سكينة جناح بقضية قضائية، إذ سبق أن كانت من الأسماء البارزة في ملف “حمزة مون بيبي”، الذي تحول إلى واحدة من أشهر القضايا المرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي في المغرب. وفي سنة 2020، أدينت “كلامور” بسنتين من الحبس النافذ وغرامة مالية قدرها 10 آلاف درهم، على خلفية تهم مرتبطة بالتشهير والابتزاز والمس بالحياة الخاصة، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف الحكم الصادر في حقها.
وبعد مغادرتها السجن سنة 2021، عادت سكينة جناح إلى مواقع التواصل الاجتماعي واستأنفت نشاطها الرقمي، لتواصل الظهور أمام متابعيها من خلال محتويات مختلفة. غير أن عودتها إلى دائرة الجدل خلال الأيام الأخيرة أعادت إلى الواجهة سؤالا أوسع حول قدرة بعض المؤثرين على الفصل بين حياتهم الخاصة والمحتوى الذي يختارون عرضه أمام الجمهور، خصوصا عندما تتحول المشاهد المتداولة إلى مادة واسعة الانتشار.
إلياس المالكي.. من البث المباشر إلى المتابعة القضائية
ولا يقتصر حضور أسماء مشاهير السوشال ميديا أمام القضاء على قضية “كلامور”، إذ سبق أن أثار عدد من صناع المحتوى جدلا واسعا بسبب ما يقدمونه عبر منصاتهم. ومن بين الأسماء التي دخلت دائرة المتابعة القضائية اليوتيوبر والتيكتوكر إلياس المالكي، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة من أكثر الأسماء حضورا في البث المباشر والمحتوى المثير للجدل.
وفي سنة 2025، قررت النيابة العامة متابعة إلياس المالكي في حالة اعتقال على خلفية قضية تضمنت، وفق ما أوردته تقارير صحفية، اتهامات مرتبطة بحيازة المخدرات والسب والقذف والتحريض على التمييز والكراهية. وتبرز هذه القضية كيف يمكن للبث المباشر، الذي يبدو في ظاهره مساحة للتفاعل الفوري مع المتابعين، أن يتحول إلى مجال تتحمل فيه الشخصية الرقمية مسؤولية ما يصدر عنها من أقوال أو أفعال.
آدم بنشقرون.. محتوى يفتح باب المتابعة
ومن الأسماء الأخرى التي ارتبطت بملفات قضائية بسبب النشاط الرقمي، التيكتوكر آدم بنشقرون، الذي حظي خلال فترة قصيرة بمتابعة كبيرة على المنصات الاجتماعية، قبل أن يتحول جزء من محتواه إلى مصدر جدل واسع.
وكان وكيل الملك بطنجة قد قرر متابعة آدم بنشقرون في حالة اعتقال على خلفية شكايات تضمنت اتهامات مرتبطة ببث محتوى وصف بأنه مخل بالحياء، وفق ما أوردته تقارير إعلامية. كما ارتبط الملف بمتابعات أخرى، ما جعل اسم صانع المحتوى حاضرا بقوة في النقاش المتعلق بحدود المحتوى الرقمي والمسؤولية المترتبة عنه.
وتكشف هذه القضية بدورها عن تحول واضح في طريقة تعامل المجتمع والسلطات مع المحتوى الذي ينتشر عبر المنصات الرقمية، بعدما لم تعد الفيديوهات والبثوث المباشرة مجرد مواد ترفيهية عابرة، بل أصبحت في بعض الحالات موضوع شكايات وتحقيقات وملفات قضائية.
“مولينكس”.. اسم آخر في حملة مواجهة المحتوى المثير للجدل
وفي سياق متصل، برز اسم المؤثر المعروف ب”مولينكس” ضمن مجموعة من مشاهير تيك توك الذين شملتهم تحركات قضائية خلال سنة 2025، في إطار حملة أثارت اهتماما واسعا بسبب طبيعة المحتويات التي كانت محل شكايات وبلاغات.
وتناولت تقارير صحفية تلك التحركات باعتبارها من أوسع الحملات التي استهدفت مشاهير المنصات الرقمية في المغرب، في ظل اتهامات متفاوتة مرتبطة بمضامين منشورة على مواقع التواصل. غير أن الملفات القضائية تختلف من شخص إلى آخر، كما أن مجرد التوقيف أو المتابعة لا يعني ثبوت التهم، إذ يبقى الحسم من اختصاص القضاء وفق المساطر القانونية المعمول بها.
من “حمزة مون بيبي” إلى تيك توك.. السوشال ميديا تدخل قلب الملفات القضائية
ولعل قضية “حمزة مون بيبي” تظل من أبرز الأمثلة التي أظهرت حجم التأثير الذي يمكن أن تكتسبه مواقع التواصل عندما تتحول الحسابات والمنشورات إلى جزء من ملفات قضائية معقدة. فقد تجاوزت القضية حدود خلافات مشاهير على الإنترنت، وأصبحت حديث الرأي العام ووسائل الإعلام، وانتهت بمتابعات وأحكام قضائية في حق عدد من المتابعين فيها.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح النقاش حول مسؤولية المؤثرين أكثر حضورا، خصوصا مع الانتشار الهائل لمنصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب، التي تسمح لأي شخص تقريبا بالوصول إلى جمهور واسع دون الحاجة إلى المرور عبر الوسائل التقليدية لصناعة الشهرة. وفي المقابل، أصبح أي محتوى منشور قابلا لإعادة النشر والاقتطاع والتداول، ما يجعل آثاره تتجاوز أحيانا ما كان يتوقعه صاحبه لحظة تسجيله.
المشاهدات ليست حصانة
المعادلة التي يواجهها مشاهير المنصات اليوم تبدو واضحة: كلما ارتفع عدد المتابعين والمشاهدات، ارتفع معه حجم التأثير، وبالتالي اتسعت دائرة المسؤولية. فالفيديو الذي يشاهده عشرات الأشخاص يختلف من حيث الأثر عن فيديو يصل إلى ملايين المستخدمين، خصوصا عندما يتضمن اتهامات أو تشهيرا أو إساءة أو مضامين يمكن أن تدخل في نطاق المخالفات القانونية.
وتكمن الإشكالية في أن بعض صناع المحتوى أصبحوا يعتمدون على الجدل كوسيلة لرفع التفاعل، حيث تتحول المشاهد الصادمة والتصريحات الاستفزازية والخلافات الشخصية إلى مادة تستقطب التعليقات والمشاركات. وكلما اشتد الجدل، ارتفعت المشاهدات، وهو ما قد يشجع بعض المؤثرين على الاستمرار في النهج نفسه بحثا عن مزيد من الانتشار.
لكن ما قد يبدو ناجحا من الناحية الرقمية لا يكون بالضرورة آمنا من الناحية القانونية، إذ يمكن لمقطع واحد أن يتحول من أداة لجذب الجمهور إلى عنصر أساسي في شكوى أو بحث قضائي، خصوصا إذا تعلق الأمر بالمس بالحياة الخاصة أو التشهير أو التحريض أو مضامين أخرى قد تكون محل تجريم.
حين تتحول الحياة الخاصة إلى محتوى
ومن أكثر الظواهر التي زادت من تعقيد المشهد، تحويل الخلافات العائلية والشخصية إلى مادة للنشر اليومي. فقد أصبح بعض المؤثرين يعرضون تفاصيل علاقاتهم ومشاكلهم وخلافاتهم أمام ملايين المتابعين، ثم يجدون أنفسهم أمام تبعات غير متوقعة عندما تدخل أسماء أشخاص آخرين في هذه الفيديوهات أو تصبح حياتهم الخاصة موضوعا للتداول الواسع.
وبمجرد نشر هذه التفاصيل، يصبح من الصعب التحكم في مسارها، إذ يمكن للمستخدمين إعادة نشرها واقتطاع أجزاء منها وإعادة تركيبها وتداولها خارج سياقها الأصلي. وفي بعض الحالات، لا يبقى الخلاف بين شخصين، بل يتحول إلى قضية رأي عام مصغرة على الإنترنت، تتداخل فيها التعليقات والاتهامات والحملات المضادة.
الشهرة الرقمية.. مسؤولية قبل أن تكون امتيازا
ومع توسع ظاهرة المؤثرين، يبدو أن مفهوم الشهرة نفسه تغير بشكل جذري. فصانع المحتوى لم يعد مجرد شخص يقدم فيديوهات للترفيه، بل أصبح في كثير من الحالات شخصية لها تأثير حقيقي في سلوك الجمهور واختياراته ونظرته إلى الآخرين.
ولهذا، فإن اتساع قاعدة المتابعين يفرض، في المقابل، قدرا أكبر من الوعي بالمسؤولية المترتبة عن كل كلمة وصورة ومقطع يتم نشره. فالجمهور قد ينسى فيديو بعد أيام، بينما يمكن أن يستمر أثره القانوني لفترة أطول بكثير، خصوصا إذا أصبح جزءا من ملف رسمي.
وبينما تواصل مواقع التواصل فتح أبواب واسعة أمام الشباب لصناعة الشهرة وتحقيق مداخيل مهمة وبناء مشاريع شخصية، فإنها تضع في الوقت نفسه حدودا جديدة لمفهوم الحرية الرقمية. فليس كل ما يمكن تصويره ونشره يعني بالضرورة أن نشره يخلو من العواقب، وليس كل ما يحقق ملايين المشاهدات يمكن اعتباره نجاحا.
وفي النهاية، تكشف القضايا التي وجد فيها عدد من مشاهير السوشال ميديا أنفسهم أمام التحقيق أو القضاء عن حقيقة باتت أكثر وضوحا: الشهرة لا تمنح حصانة، وعدد المتابعين لا يلغي المسؤولية، والفيديو الذي يصنع النجومية قد يتحول، في ظروف معينة، إلى بداية لمسار قانوني لم يكن صاحبه يتوقعه.