لطالما ارتبط حضور المرأة المغربية بصورة الأم التي تحفظ تماسك الأسرة، والزوجة التي تقاسم شريكها أعباء الحياة، والابنة التي تحمل امتداد العائلة، غير أن هذه الصورة التقليدية لم تعد تختزل واقع المرأة في المغرب اليوم، فقد أصبحت المرأة حاضرة في المدرسة والجامعة ومواقع العمل والإدارة والبرلمان والمجال الثقافي والإعلامي والاقتصادي، كما استطاعت أن تفرض اسمها في عدد من المهن والقطاعات التي كانت إلى وقت قريب حكرا على الرجال. وبينما تتغير بنية المجتمع المغربي وتتطور أدوار الأسرة، تجد المرأة نفسها في قلب هذا التحول، تجمع بين مسؤولياتها الأسرية وطموحاتها المهنية، وتخوض يوميا معركة إثبات الذات في مجتمع يحافظ على كثير من قيمه وتقاليده، وفي الوقت نفسه يشهد تحولات اجتماعية وقانونية واقتصادية متسارعة.
وقد شكل دستور المملكة لسنة 2011 محطة مهمة في مسار تعزيز مكانة المرأة المغربية، بعدما كرس مبدأ المساواة بين النساء والرجال في الحقوق والواجبات، وفتح المجال أمام المشاركة الكاملة في الحياة العامة، كما نص على إحداث هيئة للمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز. ولم يكن هذا التحول القانوني معزولا عن مسار أوسع عرفه المغرب خلال العقود الماضية، إذ شهدت المنظومة التشريعية مجموعة من الإصلاحات التي مست قضايا الأسرة والجنسية وحقوق المرأة، في مقدمتها الإصلاحات المرتبطة بمدونة الأسرة، التي أعادت صياغة عدد من العلاقات داخل الأسرة المغربية، وكرست مبدأ المسؤولية المشتركة بين الزوجين في تدبير الأسرة، إلى جانب تعزيز عدد من الحقوق المرتبطة بالزواج والطلاق والحضانة والنفقة.
وفي المجال التعليمي، أصبحت المرأة المغربية رقما أساسيا في مسيرة التحصيل العلمي، حيث لم تعد الفتاة المغربية تنظر إلى التعليم باعتباره مجرد مرحلة عابرة قبل الزواج، بل أصبح بالنسبة إلى كثير من الأسر والنساء وسيلة للاستقلال وبناء المستقبل وتحقيق الطموح الشخصي والمهني. وتكشف التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال السنوات الماضية عن توسع واضح في حضور النساء في مختلف التخصصات الجامعية والمهن المرتبطة بالمعرفة، من الطب والهندسة والقانون إلى التعليم والإعلام والبحث العلمي والإدارة. وقد ساهم هذا التقدم في تغيير الصورة الاجتماعية للمرأة، فأصبحت الشهادة والكفاءة والخبرة المهنية عناصر أساسية في تحديد مكانتها، إلى جانب دورها داخل الأسرة، وهو تحول يعكس انتقال المجتمع تدريجيا من تصور تقليدي لدور المرأة إلى تصور أكثر انفتاحا على تعدد أدوارها ومسؤولياتها.
اقتصاديا، لا يمكن الحديث عن تطور مكانة المرأة المغربية دون التوقف عند مشاركتها في سوق الشغل، فهي تساهم في قطاعات متعددة، من التعليم والصحة والخدمات والإدارة إلى الصناعة والفلاحة والتجارة والمهن الحرة وريادة الأعمال. كما برزت خلال السنوات الأخيرة نماذج لنساء مغربيات أسسن مشاريع خاصة، وخضن عالم المقاولة، واستفدن من التحول الرقمي ومن وسائل التواصل الاجتماعي لخلق مصادر جديدة للدخل والتسويق لمنتجاتهن وخدماتهن. ومع ذلك، لا تزال المشاركة الاقتصادية للنساء تواجه تحديات كبيرة، وهو ما تؤكده الأرقام الرسمية، إذ سجل معدل البطالة بين النساء في المغرب سنة 2025 نسبة 20,5 في المائة، مقابل 19,4 في المائة سنة 2024، رغم أن الاقتصاد الوطني أحدث خلال السنة نفسها 193 ألف منصب شغل. وتكشف هذه الأرقام أن تعزيز مكانة المرأة اقتصاديا لا يرتبط فقط بتوفير فرص العمل، وإنما يحتاج أيضا إلى معالجة عوامل مرتبطة بالتكوين، وظروف العمل، والتوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، والولوج إلى الموارد والتمويل.
أما في الحياة العامة والسياسية، فقد انتقلت المرأة المغربية تدريجيا من موقع المتابعة إلى موقع المشاركة والتأثير، إذ أصبحت حاضرة في المؤسسات المنتخبة والإدارة والمجالس المحلية ومختلف الهيئات المهنية والمدنية، كما ساهمت آليات التمثيلية السياسية والإصلاحات القانونية في توسيع حضورها داخل فضاءات اتخاذ القرار. غير أن الوصول إلى المناصفة الكاملة لا يزال يمثل تحديا مستمرا، فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد النساء الموجودات في المؤسسات، وإنما بمدى قدرتهن على الوصول إلى مواقع المسؤولية والتأثير الفعلي في السياسات العمومية وصناعة القرار. ومن هنا تبرز أهمية استمرار الإصلاحات وتوفير الظروف التي تسمح للمرأة المغربية بالمشاركة على قدم المساواة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما ينسجم مع المبدأ الدستوري للمساواة ويعزز حضورها في مختلف المجالات.
ورغم كل هذه التحولات، فإن قصة المرأة المغربية لا يمكن اختزالها في النجاحات وحدها، لأن الطريق ما زال يحمل تحديات اجتماعية واقتصادية وثقافية، من بينها استمرار بعض مظاهر التمييز، وصعوبة ولوج عدد من النساء إلى سوق الشغل، والتفاوت بين النساء في الوسطين الحضري والقروي، إضافة إلى الأعباء الأسرية التي تتحملها النساء في كثير من الحالات، وهي عوامل يمكن أن تؤثر في مسارهن الدراسي والمهني. وتشير المعطيات الحديثة للمندوبية السامية للتخطيط إلى أن ضعف المشاركة النسائية في سوق العمل والانقطاعات المرتبطة بالأعباء الأسرية يمكن أن تكون لها آثار طويلة المدى على المسار المهني والحقوق الاجتماعية، بما فيها التقاعد. ومع ذلك، فإن المرأة المغربية أثبتت خلال العقود الأخيرة أنها ليست مجرد مستفيدة من التحولات التي يعرفها المجتمع، بل هي أيضا فاعل أساسي في صناعتها، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو الجامعة أو المقاولة أو المؤسسات أو المجتمع المدني.
وهكذا، تبدو مكانة المرأة المغربية اليوم نتيجة لمسار طويل من التحولات التي جمعت بين تطور التشريع وتغير العقليات وتوسع فرص التعليم والعمل وانخراط النساء في الحياة العامة. فالمرأة المغربية لم تعد تقف عند حدود الدور التقليدي الذي ارتبط بها تاريخيا، وإنما أصبحت شريكا أساسيا في التنمية وصناعة المستقبل، مع احتفاظها في الوقت نفسه بمكانتها المحورية داخل الأسرة والمجتمع. ويبقى التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة هو تحويل مبدأ المساواة من نصوص وتشريعات إلى ممارسة يومية تضمن تكافؤ الفرص وتحارب التمييز وتفتح المجال أمام النساء للوصول إلى مواقع المسؤولية والاستفادة من ثمار التنمية. وفي مغرب يتغير بسرعة، فإن النهوض بمكانة المرأة لا يمثل قضية نسائية فقط، بل هو رهان وطني يرتبط بمستقبل الأسرة والاقتصاد والمجتمع والدولة، لأن أي مجتمع يريد أن يصنع مستقبلا أكثر قوة وتوازنا لا يستطيع أن يفعل ذلك بنصف طاقته فقط.