جميلة الهوني تعبر عن تمسكها بالمسرح وتبرز شغفها بالأدوار التي تتحدى قدراتها

في الوقت الذي يختار فيه بعض الفنانين الاستقرار داخل دائرة الأدوار المألوفة، تبدو جميلة الهوني أكثر ميلا إلى المغامرة الفنية والبحث عن مساحات جديدة تختبر من خلالها قدراتها كممثلة. فبعد سنوات من الحضور في التلفزيون والسينما، تعود الخشبة لتحتل مكانة لافتة في مسارها، حاملة معها رغبة واضحة في خوض تجارب مختلفة والانفتاح على شخصيات تتطلب منها جهدا أكبر على مستوى الأداء والتقمص. هذا الحضور المسرحي المتجدد لا يبدو بالنسبة إلى الهوني مجرد محطة عابرة، بل يعكس ارتباطا حقيقيا بفن الخشبة وما يمنحه للممثل من فرصة للبحث والتجريب والتواصل المباشر مع الجمهور.

جميلة الهوني واحدة من الأسماء المغربية التي راكمت تجربة مهمة في مجالات المسرح والتلفزيون والسينما، ونجحت على امتداد مسيرتها في تقديم شخصيات مختلفة جعلت الجمهور يتابع أعمالها باهتمام. وارتبط اسمها بشكل خاص بشخصية «التايكة» في مسلسل «وجع التراب»، وهو الدور الذي سبق أن اعتبرته من أبرز المحطات التي ساهمت في شهرتها لدى الجمهور المغربي. كما شاركت في عدد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، من بينها «المغضوب عليهم» و«البهجة» و«لوزين»، إلى جانب تجارب مسرحية عززت حضورها كممثلة قادرة على التنقل بين أنماط مختلفة من الأداء. وتؤكد مسيرتها أنها لا تكتفي بنمط واحد من الشخصيات، بل تحرص على الاقتراب من أدوار جديدة تمنحها فرصة لإظهار جوانب مختلفة من موهبتها.

وكشفت في تصريحات صحفية حديثة أن اهتمامها خلال المرحلة الحالية ينصب بشكل كبير على المسرح، موضحة أن هذا المجال أصبح يشكل بالنسبة إليها شغفا متجددا ومساحة لاستعادة الطاقة الفنية والابتعاد مؤقتا عن ضغط الشاشة الصغيرة. وعبرت الهوني عن رغبتها في التركيز على العمل المسرحي، معتبرة أن الخشبة تمنح الممثل فرصة أكبر للاشتغال على أدواته وعلى الشخصية، كما تتيح له الاحتكاك المباشر بالجمهور والعيش مع تفاصيل العرض من مرحلة التحضير إلى لحظة التفاعل. وجاء هذا التوجه في سياق مشاركتها في مسرحية «عرس الدم»، وهي تجربة اقتباس وإخراج ياسين أحجام عن العمل الشهير للكاتب الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا، وشارك فيها إلى جانبها عدد من الفنانين المغاربة. وقد واصل العمل حضوره خارج المغرب، إذ مثل المملكة في مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي بالعاصمة الأردنية عمان خلال ماي 2026.

وأضافت جميلة الهوني أن اختيار الأدوار بالنسبة إليها يظل مرتبطا بالرغبة في التجديد وعدم الوقوف عند الشخصيات المتشابهة، وهو توجه ظهر في مسيرتها منذ سنوات، إذ سبق أن أكدت أنها تحرص على انتقاء الشخصيات الجديدة والبعيدة عن التقليد، وأنها تبحث عن الأدوار التي تجد فيها نفسها وتستطيع من خلالها إضفاء الحيوية والحركة على الشخصية. ومن هذا المنطلق، تبدو رغبتها في خوض تجارب مسرحية جديدة منسجمة مع فلسفتها في العمل، خصوصا أن المسرح يفرض على الممثل حضورا متكاملا ويضعه أمام تحديات مباشرة تتطلب التركيز والانضباط والقدرة على التحكم في الصوت والحركة والانفعال. كما أن انتقالها بين التلفزيون والسينما والمسرح منحها رصيدا متنوعا جعلها أكثر قدرة على التعامل مع اختلاف طبيعة كل تجربة ومتطلباتها الفنية.

وفي سياق علاقتها بالمسرح، برز حضور الهوني أيضا من خلال اللقاء المفتوح الذي جمعها بجمهور الزمامرة عقب عرض «عرس الدم»، ضمن برنامج التوطين المسرحي لموسم 2025-2026. ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة للحديث عن العرض، وإنما شكل مساحة للحوار حول تجربتها الفنية وعلاقتها بالمسرح وأسئلة الممارسة المسرحية، وهو ما يعكس حرصها على إبقاء الصلة قائمة مع الجمهور خارج لحظة العرض نفسها. وتأتي هذه الخطوة في وقت يواصل فيه «عرس الدم» مساره داخل وخارج المغرب، بعدما انتقل من الخشبة المحلية إلى المشاركة في تظاهرة مسرحية دولية، الأمر الذي منح التجربة بعدا إضافيا في مسار الهوني المسرحي.

ولا تنفصل اختيارات جميلة الهوني الفنية عن قناعتها القديمة بأهمية التنوع في مسار الممثل، فهي من الفنانات اللواتي حرصن على تقديم شخصيات مختلفة وعدم الارتهان لصورة واحدة أمام الجمهور. وبين تجربة «التايكة» التي صنعت لها حضورا واسعا، وتجاربها في السينما والتلفزيون، وصولا إلى «عرس الدم» وما رافقها من لقاءات وتظاهرات مسرحية، يبدو أن الهوني تواصل البحث عن الدور الذي يضيف شيئا جديدا إلى مسيرتها. كما أن حضورها المسرحي الحالي يعكس رغبتها في تطوير أدواتها والاقتراب أكثر من جوهر المهنة، حيث يصبح الممثل في مواجهة مباشرة مع الشخصية والجمهور في آن واحد. وفي هذا السياق، لا تبدو الخشبة بالنسبة إليها مجرد خيار فني مؤقت، وإنما فضاء حقيقيا للتجريب وإعادة اكتشاف الذات الفنية.

وهكذا، تواصل جميلة الهوني بناء تجربتها بعيدا عن الاكتفاء بما حققته من نجاح، واضعة أمامها تحديا دائما يتمثل في اكتشاف شخصيات جديدة واختبار إمكاناتها في تجارب مختلفة. وبينما يظل التلفزيون والسينما جزءا أساسيا من مسارها، فإن المسرح يبدو اليوم أكثر حضورا في اختياراتها، بما يمنحه لها من حرية في البحث والتجريب والتفاعل المباشر مع المتلقي. ومع استمرار هذه الرحلة، تراهن الهوني على أدوار لا تكرر نفسها، وتجارب تضعها أمام تحديات جديدة، لتؤكد أن قيمة الفنان لا تكمن فقط في عدد الأعمال التي يشارك فيها، وإنما في قدرته على التطور وترك بصمة مختلفة مع كل تجربة.

جميلة الهوني تعبر عن تمسكها بالمسرح وتبرز شغفها بالأدوار التي تتحدى قدراتها