لم تكن رحلة نعمان بلعياشي في عالم الفن طريقا مستقيما وممهدا، بل جاءت محملة بمحطات متباينة، بين البدايات المترددة، والرغبة في إثبات الذات، والبحث عن موقع خاص داخل المشهد الغنائي المغربي. وعلى امتداد سنوات، استطاع الفنان أن يحول شغفه بالموسيقى إلى مشروع فني يتطور باستمرار، مستفيدا من قدرته على الكتابة والتلحين والانفتاح على أكثر من لون موسيقي. وبينما تغيرت ملامح الأغنية الشبابية المغربية خلال السنوات الأخيرة، ظل بلعياشي حاضرا بأعماله واختياراته، محافظا على علاقة قوية بجمهوره، ومراهنا في الوقت نفسه على تطوير تجربته وعدم البقاء أسيرا لنجاح واحد أو مرحلة واحدة.
بدأت علاقة نعمان بلعياشي بالفن في سن مبكرة، وتعود بداياته إلى سنة 2008، قبل أن ينتقل تدريجيا إلى مرحلة الاحتراف ويقدم أعماله الخاصة. ولم تكن الطريق سهلة في بدايتها، إذ واجه عددا من التحديات المرتبطة باختياره المجال الفني، كما اضطر في إحدى المراحل إلى الابتعاد عن الموسيقى والعودة إلى الدراسة، قبل أن يعاود الإمساك بخيط تجربته الأولى ويقرر مواصلة المشوار. ومع عودته، قدم مجموعة من الأغاني التي ساعدته على بناء قاعدة جماهيرية، من بينها «يا ناكر الجميل» و«ماكملناش» و«مدامتي»، لتبدأ ملامح هويته الفنية في الظهور بشكل أكثر وضوحا.
كما اختار منذ البداية أن يكون حاضرا في صناعة أعماله، سواء من خلال الكتابة أو التلحين، وهو ما منحه مساحة أكبر للتعبير عن أفكاره ومشاعره بالطريقة التي يراها مناسبة.
ومع تراكم التجربة، أصبح بلعياشي أكثر وعيا بطبيعة الطريق الذي اختاره، خصوصا أن الانتقال من مرحلة البدايات إلى تحقيق حضور مستقر داخل الساحة الفنية لم يكن سريعا. وفي تصريحات صحفية سابقة، استعاد الفنان تفاصيل من رحلته، متحدثا عن البدايات وعن القرارات التي اتخذها من أجل الاستمرار في الفن، كما عبر عن تقديره للجمهور الذي ظل يسانده على امتداد السنوات.
وكشف أن علاقته بالموسيقى ظلت أقوى من فكرة التخلي عنها، بعدما وجد نفسه يعود إليها في كل مرة، مهما كانت الظروف. وأضاف أن السنوات التي قضاها في المجال جعلته يكتسب خبرة أكبر في التعامل مع الأغنية ومع الجمهور، وأن كل مرحلة مر بها كانت لها انعكاساتها على اختياراته وطريقة اشتغاله. ومن هنا تبدو العبارة التي تلخص جانبا من مساره: «مررت بمحطات كثيرة.. وكل محطة صنعت نعمان الذي يعرفه الجمهور اليوم»؛ فالفنان الذي بدأ بخطوات متواضعة وجد نفسه مع مرور الوقت أمام تجربة أكثر اتساعا ونضجا.
ولم يتوقف تطور تجربته عند حدود النجاح الجماهيري، بل امتد إلى طريقة تفكيره في الأعمال التي يقدمها. فقد أوضح في تصريحات صحفية أن الفنان يحتاج إلى الوقت حتى يطور أدواته ويكتسب الثقة والخبرة، مشيرا إلى أن التسرع في تقديم المشاريع الكبيرة لا يخدم دائما المسار الفني. كما تحدث عن أهمية إعادة النظر في بعض الأعمال القديمة ومنحها فرصة جديدة، خصوصا عندما تجد طريقها إلى جمهور مختلف بعد سنوات من إصدارها.
وفي هذا السياق، عاد إلى بعض الأغاني التي سبق أن قدمها، مستفيدا من الخبرة التي راكمها خلال السنوات الماضية، وهو ما يعكس نظرته إلى مسيرته باعتبارها تجربة متواصلة يمكن إعادة اكتشاف محطاتها بدل اعتبارها صفحات مغلقة.
وفي السنوات الأخيرة، اتجه نعمان بلعياشي إلى توسيع مساحة التجريب داخل مشروعه الغنائي، فقدم أعمالا تنقلت بين الرومانسية والإيقاعات الشبابية والأنماط ذات الحضور المغربي الواضح. وفي 2025، واصل إصدار أعمال جديدة من بينها «خيانة» و«جيلالي» و«ما بلان ما والو»، وهي إصدارات عكست رغبته في عدم الاستقرار على قالب موسيقي واحد.
كما حملت بعض هذه الأعمال توجها أكثر وضوحا نحو استحضار عناصر من الثقافة الموسيقية المغربية، بالتوازي مع الحفاظ على الإيقاع العصري الذي جعله قريبا من فئة واسعة من المستمعين. ولم يكن هذا التوجه منفصلا عن رؤيته العامة، إذ ظل يؤكد في تصريحاته على أهمية تقديم أعمال تحمل هوية خاصة بدل الاكتفاء بتكرار التجارب الناجحة.
أما في 2026، فقد واصل بلعياشي هذا المسار بأعمال جديدة كشفت عن مرحلة أكثر انفتاحا على المزج بين الألوان الموسيقية. وكشف في تصريحات صحفية حديثة أنه كان يبحث خلال فترة غيابه عن نمط موسيقي مختلف يخرجه من القوالب الجاهزة، موضحا أن رغبته كانت تقديم مادة غنائية مبتكرة تحمل شيئا من شخصيته وتمنحه فرصة للعودة برؤية جديدة.
وأضاف أن اختياره المزج بين النمط المغربي «البلدي» والبوب المغربي جاء من رغبته في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، مع الاهتمام بالصورة التي ترافق الأغنية وبالحفاظ على حضور الثقافة المغربية فيها. كما عبر عن حرصه على أن تكون أعماله الجديدة بسيطة وقريبة من الجمهور، دون أن تفقد خصوصيتها الفنية.
وتأتي هذه المرحلة امتدادا لمسار طويل اختار خلاله نعمان بلعياشي أن يترك لكل محطة أثرها في تجربته، بدل البحث عن نجاح سريع أو صورة ثابتة. فمن فنان شاب بدأ مشواره وسط تحديات مختلفة، إلى اسم أصبح حاضرا في المشهد الغنائي المغربي.
ويبدو رحلته قائمة على التدرج والتجربة وإعادة اكتشاف الذات. وبين الأعمال التي حققت انتشارا واسعا، والمحطات التي احتاج فيها إلى التوقف وإعادة ترتيب أوراقه، ظل الجمهور حاضرا باعتباره أحد أهم عناصر هذه الرحلة. واليوم، ومع استمرار الإصدارات وتنوع الاختيارات، يبدو أن نعمان بلعياشي لا يزال يكتب فصول مسيرته بنفس الرغبة الأولى، لكن بخبرة أكبر ورؤية أكثر وضوحا، تاركا الباب مفتوحا أمام محطات أخرى قد تضيف بدورها فصلا جديدا إلى حكاية فنان لم يتوقف عن البحث عن صوته الخاص.