بين خشبة المسرح وعدسة الكاميرا، نسج المخرج والممثل أحمد بولان مسارا فنيا متنوعا جمع بين الإبداع والتجربة والبحث المستمر عن أشكال جديدة للتعبير، ليصبح واحدا من الأسماء التي بصمت المشهد السينمائي المغربي بأعمال أثارت النقاش ولامست قضايا اجتماعية وإنسانية مختلفة. وخلال لقاء خصص لتجربته، عاد بولان إلى مراحل مهمة من حياته الفنية، مسترجعا ذكريات البدايات والتحولات التي قادته إلى عالم الإخراج السينمائي.
ويعد أحمد بولان من الفنانين المغاربة الذين جمعوا بين مجالات متعددة، إذ بدأ مشواره من بوابة التمثيل والعمل المسرحي والإذاعي، قبل أن ينتقل إلى مجال كتابة السيناريو والإخراج، مستفيدا من تجارب مهنية راكمها داخل المغرب وخارجه، خاصة خلال فترة إقامته بإيطاليا، حيث اشتغل ضمن إنتاجات سينمائية مختلفة واكتسب خبرة واسعة في تقنيات صناعة الفيلم، ما ساعده لاحقا على تقديم مجموعة من الأعمال التي تحمل رؤيته الخاصة.
وكشف أحمد بولان في تصريح صحفي له أن بداياته الفنية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي شكلت الأساس الأول لمساره، حيث اشتغل إلى جانب أسماء فنية بارزة من بينها الراحلان عبد الرزاق حكم والعربي الدغمي، إضافة إلى محمد أحمد البصري، من خلال تجارب مسرحية وإذاعية متنوعة، كما أشار إلى خوضه تجربة كتابة كلمات عدد من الأغنيات، من بينها أغنية “الدمعة” التي أدتها الفنانة عتيقة عمار.
وأوضح بولان أن انتقاله إلى إيطاليا شكل محطة مهمة في مسيرته، بعدما انفتح على عالم السينما من خلال العمل في مجموعة من المشاريع الفنية، حيث تولى مهام مختلفة من بينها مساعد مخرج ومسؤول عن اختيار الممثلين، وهي التجربة التي ساهمت في تطوير أدواته الفنية ومهدت أمامه الطريق للانتقال إلى كتابة السيناريو والإشراف على إخراج أعماله الخاصة.
وأضاف المخرج المغربي أن فيلمه “علي ربيعة والآخرون” الذي قدمه سنة 2000، شكل نقطة تحول أساسية في مساره السينمائي، بعدما تمكن من تحقيق حضور قوي داخل المهرجانات وحصد عددا من الجوائز، رغم المفارقة المرتبطة بمساره التجاري داخل القاعات السينمائية، إذ لم يستمر عرضه سوى أيام قليلة، وهو الأمر الذي ظل من بين الذكريات التي رافقت هذا العمل.
وأشار أحمد بولان إلى أن هذا الفيلم يحتل مكانة خاصة في تجربته، لذلك خصص له حيزا مهما خلال حديثه، حيث استعاد ظروف إنجازه وتوقف عند علاقته بالفنان يونس مكري، إلى جانب تعاونه مع الفنان حسن الفد والممثلة الفلسطينية هيام عباس، مستحضرا تفاصيل من كواليس هذا العمل الذي اعتبره محطة بارزة في مسيرته.
وتابع بولان حديثه عن باقي أعماله السينمائية، مبرزا أن تجربته تواصلت من خلال فيلم “أنا وأمي وبثينة” سنة 2003، ثم فيلم “ملائكة الشيطان” سنة 2007، الذي تناول قضية أثارت جدلا واسعا بالمغرب، قبل أن يقدم فيلم “جزيرة المعدنوس” سنة 2016، ثم يعود بفيلم “كازابلانكا دكار” سنة 2025، مواصلا الاشتغال على أعمال تنشغل بالإنسان وقضاياه المختلفة.
ولم يبتعد أحمد بولان عن مجال التمثيل رغم انشغاله بالإخراج، إذ حافظ على حضوره أمام الكاميرا من خلال مشاركته في عدد من الأفلام المغربية والأجنبية، وكان من آخر ظهوراته الفنية مشاركته في فيلم “زنقة مالقة” للمخرجة مريم التوزاني، ليؤكد بذلك ارتباطه المستمر بمختلف جوانب العمل السينمائي.
كما تحدث بولان عن اختياره مواصلة حياته الفنية بالمغرب رغم حصوله على الجنسية الإيرلندية، مؤكدا تعلقه ببلده ورغبته في الاستمرار داخل فضائه الثقافي والفني، وهو ما يعكس ارتباطه بالمشهد السينمائي الوطني وحرصه على مواصلة تقديم أعمال تحمل بصمته الخاصة.