“أفريكا بلانكا”: فاس تفتح أبواب الخلاص لضحايا “المهق” في رحلة من السنغال إلى كندا

تحرير: سهام حجري

1

2

3

اختار المخرج المغربي عز العرب العلوي أن يقدم عمله السينمائي “أفريكا بلانكا لون الاغتراب” ضمن مهرجان “Vues d’Afrique” بكندا في خطوة خرجت عن المألوف، حيث تحول العرض إلى لحظة إنسانية عميقة تجاوزت حدود الفرجة، ونجح في استقطاب جمهور متنوع من الكنديين وأفراد الجالية الإفريقية والمغربية، ليصبح الفضاء السينمائي مناسبة لمواجهة قضايا التهميش والكرامة بجرأة ومسؤولية، في تجربة أقرب إلى مكاشفة جماعية حول واقع مؤلم لا يحظى بالكثير من الضوء.

وأكد العلوي أن لهذه التجربة في مونتريال نكهة خاصة، مبرزا أن قوة “سينما المؤلف” تكمن في قدرتها على تجاوز الحواجز الثقافية والجغرافية، حيث راهن على عمل يغوص في قضايا محلية عميقة، رغم اختلاف مرجعيات الجمهور، إلا أن التفاعل القوي مع الفيلم عكس أن الصدق الفني والاجتهاد في المعالجة قادران على الوصول إلى وجدان المشاهد أينما كان، وهو ما منح العرض بعدا إنسانيا يتجاوز اللغة والمكان.

ويأخذ الفيلم المتلقي في رحلة قاسية تنطلق من السنغال، حيث يتابع قصة الشاب “عصمان” المصاب بمرض المهق، والذي يجسد مأساته الفنان عبد العزيز سال، إذ يجد نفسه مهددا بسبب معتقدات خرافية تستهدف ذوي البشرة البيضاء، فيضطر إلى الفرار رفقة والدته “عيشاتا” التي أدت دورها ناكي سي سافاني، هربا من مطاردات السحرة، في مسار مليء بالمخاطر يمر عبر الصحراء وصولا إلى المغرب، حيث تتقاطع المعاناة مع الأمل.

واعتمد المخرج في بناء هذا العمل على لغة بصرية تجمع بين الواقعية الميدانية والنفس الشاعري، مستثمرا خبرته في الإخراج الوثائقي ليمنح القصة صدقا أكبر، إذ بدت التفاصيل اليومية والظروف القاسية وكأنها تنقل مباشرة من قلب الواقع، في مقابل حضور بعد جمالي يضفي على الرحلة عمقا إنسانيا وتأمليا.

وفي هذا السياق، لم تكن مدينة فاس مجرد فضاء للأحداث، بل تحولت إلى عنصر درامي أساسي، حيث استحضر الفيلم البعد الروحي من خلال الزاوية التيجانية، مقدما التصوف كمساحة للتطهر والتصالح، إذ شكلت حلقات الذكر ملاذا نفسيا للبطل، ومجالا لإعادة بناء الذات، في ربط واضح بين المغرب وامتداده الإفريقي على مستوى الروح والتاريخ المشترك.

وعلى مستوى الانتشار، حقق “أفريكا بلانكا” حضورا لافتا في الساحة الدولية، حيث جاب خلال ستة أشهر فقط أكثر من سبعة عشر بلدا، وشارك في ثلاثة وعشرين مهرجانا سينمائيا، كما حصد تسع جوائز كأفضل فيلم، وهي أرقام تعكس قوة هذا العمل وقدرته على تمثيل قضايا إنسانية بعمق فني يجعلها مفهومة لدى جمهور عالمي متنوع.

أما على المستوى التمثيلي، فقد قدم الفنان جمال العبابسي أداء مركبا من خلال شخصية تعكس قسوة الواقع المرتبط بشبكات التهجير، حيث أضفى على الدور بعدا إنسانيا يعكس تعقيد الظاهرة، وفي تفاعله مع الجمهور بمونتريال، عبر عن اعتزازه بهذا الاستقبال، معتبرا أن دور الفنان لا يقتصر على الترفيه، بل يمتد إلى كشف اختلالات الواقع الاجتماعي، مؤكدا أن تواصله مع مغاربة العالم يمنحه دافعا إضافيا للاستمرار في تقديم أعمال تحمل رؤية ورسالة واضحة.

 

"أفريكا بلانكا": فاس تفتح أبواب الخلاص لضحايا "المهق" في رحلة من السنغال إلى كندا