تحرير: سهام حجري
1
2
3
لم يكن عرض فيلم “بين جوج قبور” للمخرج محمد مروازي ضمن فعاليات مهرجان “Vues d’Afrique” بمونتريال مجرد محطة سينمائية عابرة، بل تحول إلى لحظة ثقافية وإنسانية كثيفة المعاني، حيث اختزل المسافات بين المغرب وكندا ونجح في جمع جمهور متنوع من المغاربة والأفارقة والكنديين داخل فضاء واحد، وهناك تحولت شاشة العرض إلى جسر رمزي يعيد وصل المهاجر بجذوره ويفتح نقاشا عميقا حول معنى الانتماء وسؤال الوطن الأخير في رحلة وجدانية تمتد من العرائش إلى مونتريال.
وتدور أحداث الفيلم في مدينة العرائش، غير أن صداه تجاوز حدود المكان ليحضر بقوة في شوارع مونتريال، ومن خلال سيناريو محكم كتبه ياسين زيزي وعبد اللطيف شوطا، يطرح العمل سؤالا بسيطا في ظاهره لكنه عميق في جوهره وهو أين يدفن الإنسان، إذ يتحول هذا التساؤل إلى مدخل لصراع داخلي يعيشه المهاجر بين أرض النشأة وأرض الاستقرار، وهو ما يمنح الفيلم بعدا إنسانيا عابرا للقارات ويجعل من “بين جوج قبور” تجربة فنية تمزج بين الحس الواقعي والتأمل الوجودي.
واعتمد محمد مروازي في هذا العمل على توليفة فنية تجمع بين أسماء تنتمي إلى مدارس وتجارب مختلفة، وهو ما أضفى على الفيلم طابعا عالميا، حيث مزج بين الكوميديا والدراما من خلال حضور رشيد بدوري وميشيل بوجناح، كما عزز الجانب الدرامي بأداء رصين لكل من جمال العبابسي وميساء مغربي وعادل أبا تراب ومالك أخميس، إلى جانب عناية واضحة بالجانب التقني من خلال تصوير وولفانغو ألفي وموسيقى عادل عيسى، الأمر الذي منح العمل بعدا بصريا وسمعيا متكاملا.
وخلال التفاعل مع الجمهور، بدا التأثر واضحا على صناع الفيلم، إذ عبر محمد مروازي عن سعادته الكبيرة بتجاوب الحاضرين مع العمل سواء من خلال الضحك أو التأثر، معتبرا أن هذا التفاعل يمثل الجائزة الحقيقية لأي عمل فني، في حين وصف جمال العبابسي هذا اللقاء بأنه احتفاء عائلي دافئ، حيث اختفى الإحساس بالغربة وسط جمهور مغربي وجد في الفيلم صدى لهويته وحنينه.
ولم يتوقف تميز “بين جوج قبور” عند مستوى القصة والأداء، بل امتد ليشمل الجوانب التقنية التي أشرفت عليها أسماء بارزة من بينها أستريد ماريا روكيرت في الإدارة الفنية وغيوم فيدال في المؤثرات الخاصة، وهو ما أضفى على العمل نضجا سينمائيا واضحا وجعله قادرا على المنافسة في المهرجانات الدولية والتواصل مع جمهور واسع بمختلف خلفياته.
ويقدم الفيلم رؤية تتجاوز موضوع الموت في حد ذاته، إذ يتحول إلى احتفاء بالحياة وبالروابط التي تشد الإنسان إلى أرضه مهما ابتعدت به المسافات، كما يفتح باب التأمل في علاقة الإنسان بهويته في سياق الهجرة وما تفرضه من أسئلة معلقة بين الذاكرة والواقع.
ومع النجاح الذي حققه العرض الأول في كندا، يترقب الجمهور المغربي عرض الفيلم في القاعات الوطنية قبل نهاية سنة 2026، حيث ينتظر أن يشكل لحظة سينمائية مميزة بالنظر إلى ما يحمله من حمولة إنسانية وثقافية، تعكس رائحة العرائش وتعيد طرح أسئلة المهاجرين في قالب فني يجمع بين الفرح والشجن ويعكس عمق تجربة العيش بين ضفتين.