حين يتحدث التاريخ فوق خشبة المسرح، يبرز اسم ينضح بالوقار الفني والالتزام المهني البعيد عن حسابات النجومية المؤقتة وضوضاء منصات التواصل الاجتماعي العابرة. إنها سيدة الركح التي زاوجت بين موهبتها الفطرية الشامخة ودراستها الأكاديمية الصارمة، لتصنع لنفسها مسارا إبداعيا رصينا جعلها واحدة من الركائز التي يثق فيها الجمهور المغربي والنقاد على حد سواء، مبرهنة على مدار العقود أن البقاء في وجدان الجماهير لا يتطلب كثرة الإطلالات، بل يكمن في عمق وجاذبية الأدوار التي تلامس الوعي الإنساني وتدفع بالثقافة الوطنية إلى الواجهة.
تعتبر الممثلة القديرة نجوم الزوهرة خريجة المعهد الوطني للفنون والموسيقى، من القامات البارزة التي طبعت ربيع الإبداع المسرحي والتلفزيوني بالمملكة. وقد ارتبط اسمها الفني والأسري برفيق دربها الفنان عبد الإله عاجل، حيث انطلقت حكايتها فوق الركح بمسرحية “زهرة بنت البرنوصي” التي نالت عنها جائزة أحسن تشخيص نسائي. تدرجت بعد ذلك برصانة ملحوظة لتشارك في بناء أمجاد فرقتي “مسرح الحي” و”مسرح الكاف”، توازيا مع إطلالات تلفزيونية خالدة تركت بصمتها في ذاكرة المشاهدين مثل مسلسل “موعد مع المجهول” والفيلم التلفزيوني “الطيابة” وسلسلة “أنا وكانتي”.
أوضحت في بوح إعلامي جديد فلسفتها الخاصة بشأن الغياب والظهور فوق الشاشات، مبينة أن ابتعادها النسبي عن البلاتوهات لا يعود مطلقا لإقصاء أو قلة العروض المقترحة، بل هو خيار ذاتي محض نابع من رغبتها في عدم تقديم أعمال تفتقر للقيمة. وأشارت بلهجة يملؤها الوقار إلى أنها ترفض التواجد من أجل ملء الفراغات فقط، مفيدة بأن قيمة الممثل الحقيقية تبنى على مضمون الطرح وتنوع الأنماط الإنسانية التي يجسدها، لافتة الانتباه إلى أن تكرار الأدوار يضعف صورة الفنان أمام المتلقي، بينما يضمن التجديد المستمر مكانة ثابتة وراسخة على المدى الطويل.
وأفادت الزوهرة أثناء نقاشها لواقع الفنون بالمملكة، بأن المسرح يظل بالنسبة لها الفضاء الأقرب والأنقى؛ نظرا لما يمنحه للمبدع من صدق تعبيري وحرية مفرطة، ناهيك عن التفاعل المباشر والحي مع نبض الجمهور. وصرحت بنبرة يطبعها الحماس بعودة الروح لفرقة “مسرح الحي” العريقة من بوابة عملها الكوميدي الجديد “سري مري” الموجه لخشبة مسرح الزفزاف بالدار البيضاء، مستطردة أن العرض يفكك بكثير من السخرية الهادفة قضايا معاصرة تهم البيئة المغربية الخالصة وتعيد الجمهور إلى صالات العرض الجماعية.
وأردفت النجمة المغربية في معرض حديثها لوسائل الإعلام الوطنية أن التوازن بين الالتزام العائلي والعطاء المهني يشكل حصانة للفنان، مستحضرة بامتنان معايشتها اليومية للشخصيات المركبة التي يجسدها زوجها داخل البيت قبل اعتلائه الركح. وزادت في ذات السياق منبهة جمهورها عبر تدوينات تفاعلية إلى أهمية “تعلم الصمت” في زمن كثر فيه الجدل العقيم، معتبرة أن مناقشة العنيد أو الجاهل لا تجدي نفعا، ومؤكدة على أن عطاء الفنان وتاريخه يظلان هما الرد الحقيقي والفيصل بعيدا عن صخب الابتذال والتهريج الرقمي الباحث عن الرواج العابر.
وفي ختام تصريحاتها، ناشدت نجوم الزوهرة بضرورة فتح آفاق إنتاجية أرحب تدعم الفرق المسرحية الجادة وتصون كرامة الرواد والشباب المبدعين على حد سواء. وأعربت عن تفاؤلها التام بقدرة الإبداع الوطني على مسايرة روح العصر دون التفريط في الأصالة والهوية المغربية المتنوعة، مجددة العهد على مواصلة العطاء بنفس الشغف والاحترام لرسالة الفن النبيلة التي آمنت بها منذ خطوتها الأولى في هذا الميدان الشاق والجميل.
ويبقى الثبات الفني لهذه الأيقونة دليلا ساطعا على أن بصمة الرواد تزداد قيمة ورصانة مع مرور السنين، مرسخة حقيقة أن الصمود الإبداعي يتطلب كاريزما قوية محصنة بالوعي والغيرة الوطنية. فحينما توظف الكفاءة الفطرية لخدمة قضايا الفن الهادف والرصين، تولد تجربة إنسانية فريدة قادرة على نقش اسمها بمداد من التقدير في الذاكرة الثقافية للمملكة، لتستمر نجوم الزوهرة في قيادة مشروعها برأس مرفوع وثبات ملهم يضيء دروب الدراما والمسرح بالمغرب.
قد يعجبك ايضا