من ملاعب الأحياء الشعبية إلى أكبر المنصات الكروية، لم يكن الطريق الذي قطعه أيوب الكعبي مفروشا بالفرص السهلة، بل كان مليئا بالتحديات والانتظار والعمل المتواصل قبل أن يتحول اسمه إلى واحد من أبرز المهاجمين المغاربة في السنوات الأخيرة. وبينما اعتاد الجمهور على الاحتفال بأهدافه الحاسمة وضرباته المقصية اللافتة، فإن الوجه الآخر من حكايته يكشف مسارا إنسانيا مختلفا، بدأ بطفولة صعبة وظروف أسرية دفعت به إلى تحمل المسؤولية في سن مبكرة، قبل أن تمنحه كرة القدم فرصة تغيير حياته وصناعة اسم أصبح اليوم حاضرا بقوة في الملاعب الأوروبية.
ولد أيوب الكعبي سنة 1993 بمدينة الدار البيضاء، ونشأ في حي درب ميلا قبل أن تنتقل أسرته إلى مديونة، وهناك عاش طفولة لم تكن سهلة، إذ اضطر في سن مبكرة إلى القيام بأعمال مختلفة لمساعدة أسرته وتوفير احتياجاته. وسبق أن تحدث اللاعب عن تلك المرحلة في أكثر من مناسبة، موضحا أن عائلته عاشت ظروفا صعبة وأنه كان يرى والديه يكافحان من أجل توفير متطلبات الحياة، وهو ما دفعه بدوره إلى تحمل المسؤولية والعمل إلى جانب مواصلة ممارسة كرة القدم.
كما كشفت تقارير صحفية مغربية أن بداياته شملت أعمالا بسيطة، من بينها البناء وبيع الملح والقنينات الزجاجية وتنظيف السجاد، فيما تحدث في تصريح آخر عن عمله في تنظيف القبور من أجل مساعدة والده وتوفير المال لشراء حذاء رياضي والتنقل إلى التدريبات. وفي الوقت ذاته، ظل حلم كرة القدم حاضرا بقوة، فبدأ من فرق الأحياء، ثم لعب لفريق وفاق للا مريم، قبل أن يصل إلى الراسينغ البيضاوي، حيث بدأت موهبته في الظهور بشكل أكثر وضوحا.
وكشف في تصريحات صحفية له أن البدايات لم تكن سهلة، وأن الوصول إلى الاحتراف تطلب منه الكثير من الصبر والتضحيات، مشيرا إلى أنه اتخذ قرار التفرغ لكرة القدم في سن السادسة عشرة، لكنه اضطر في البداية إلى القيام بأعمال مختلفة بالتوازي مع حلمه الرياضي. وفي حوار سابق، تحدث الكعبي عن تلك المرحلة بصراحة، موضحا أنه كان يقوم بأعمال بسيطة، بل وصل إلى بيع الملح، قبل أن يلتقي بأشخاص شجعوه على ترك العمل والتركيز على كرة القدم حتى يحقق أهدافه.
وأضاف أن حلم المنتخب الوطني لم يكن في حساباته خلال تلك السنوات، إذ كان في سن الثانية والعشرين يتمنى فقط أن يجد له مكانا في البطولة الاحترافية، قبل أن تتسارع الأحداث بصورة لم يكن يتوقعها. وعبر عن امتنانه لكل الأشخاص الذين ساعدوه وشجعوه، مؤكدا في حديث آخر أن أسرته كان لها تأثير كبير في شخصيته، وأن رؤية والديه وهما يكافحان من أجل الأسرة منحته الدافع للعمل والاجتهاد وتجاوز الظروف الصعبة.
ومن الراسينغ البيضاوي بدأت مرحلة التحول الحقيقي في مسيرة الكعبي، إذ لم يكن في البداية مهاجما، بل لعب في مركز الظهير الأيسر، قبل أن يكتشف المدرب عبد الحق رزق الله، المعروف بلقب “ماندوزا”، امتلاكه حسا تهديفيا دفعه إلى تغيير مركزه تدريجيا نحو الهجوم. ومع الراسينغ، فرض الكعبي نفسه كهداف بارز، خصوصا خلال موسم 2016-2017، قبل انتقاله إلى نهضة بركان، حيث جاءت واحدة من أهم محطات مسيرته.
وهناك انفجر تهديفيا في بطولة أمم إفريقيا للاعبين المحليين سنة 2018، وسجل تسعة أهداف قادته إلى التتويج بلقب الهداف، كما ساهم في إحراز المنتخب المغربي للقب، ليصبح اسمه بعدها مطروحا بقوة داخل المنتخب الأول. ومنذ ذلك الحين توالت تجاربه مع هيبي شينا الصيني والوداد الرياضي وهاتاي سبور التركي والسد القطري، وصولا إلى أولمبياكوس اليوناني الذي أصبح معه واحدا من أبرز نجوم الفريق.
وأكد الكعبي أن ما حققه في الملاعب لم يكن منفصلا عن ثقافة العمل التي رافقته منذ طفولته، وهو ما ظهر بوضوح في تصريحاته خلال محطاته الأوروبية. وبعد تتويجه مع أولمبياكوس بدوري المؤتمر الأوروبي سنة 2024، كشف أن اللقب جاء نتيجة العمل الجاد والاجتهاد والحماس، معبرا عن سعادته بكتابة صفحة تاريخية مع النادي الذي حقق أول لقب أوروبي في تاريخه.
كما تحدث عن تجربته الأوروبية باعتبارها محطة مهمة في مساره، خصوصا بعدما مر بظروف صعبة مع هاتاي سبور إثر الزلزال الذي ضرب تركيا، قبل أن ينتقل إلى السد ثم أولمبياكوس ويجد هناك بيئة ساعدته على استعادة بريقه. وفي حديثه عن أهدافه المقصية، أكد أن المهم بالنسبة إليه هو تسجيل الأهداف ومساعدة الفريق، بغض النظر عن الطريقة التي تأتي بها، وهو ما يلخص شخصيته داخل الملعب: التركيز على الفعالية والنتيجة قبل البحث عن الأضواء الفردية.
اليوم، لم يعد أيوب الكعبي مجرد لاعب خرج من فرق الأحياء ليبحث عن فرصة، بل تحول إلى اسم بارز في الكرة المغربية والأوروبية، بعدما جمع بين الحضور مع المنتخب الوطني والتألق مع أولمبياكوس والقدرة على الحسم في المباريات الكبرى. وتكتسب قصته قيمة خاصة لأنها تذكر بأن النجومية التي تبدو للجمهور من خلف شاشات التلفزيون تخفي وراءها سنوات من التعب والانتظار والتضحيات، وأن اللاعب الذي يرفع الكؤوس اليوم سبق أن خاض معركة طويلة من أجل حذاء رياضي وتذكرة وصول إلى التدريب.
وبين طفولة صعبة، وبدايات متأخرة في الاحتراف، وتحول مفاجئ من الدفاع إلى الهجوم، ثم تألق قاري وأوروبي، واصل الكعبي كتابة مسيرته بثبات، ليصبح مثالا للاعب لم يسمح للظروف الأولى بأن تحدد نهايته، بل جعل منها دافعا لصناعة مستقبل مختلف.