يعد مسعود بوحسين من أبرز الوجوه الفاعلة في الساحة المسرحية بالمغرب، حيث يشغل موقعا نقابيا يجعله قريبا من مختلف التحولات التي يعرفها هذا المجال، وقد راكم تجربة مهمة في الدفاع عن قضايا الفنانين، كما ظل صوته حاضرا في النقاشات المرتبطة بوضعية المسرح وطنيا، سواء من زاوية الإبداع أو من حيث الإكراهات التنظيمية والاجتماعية التي تحيط به. ويؤكد في مواقفه أن المسرح المغربي استطاع أن يحافظ على وهجه الفني رغم الصعوبات، غير أن هذا التألق يخفي وراءه اختلالات عميقة تحتاج إلى معالجة جذرية وممتدة زمنيا.
كشف في تصريح للصحافة أن المشهد المسرحي في المغرب سيظل قادرا على إنتاج أعمال متميزة، غير أن التعافي الحقيقي على المستويات التنظيمية والاقتصادية والاجتماعية يتطلب وقتا أطول، خاصة وأن بوادر الأزمة ظهرت قبل جائحة كورونا، وهو ما يعكس أن الإشكال ليس ظرفيا بل مرتبط بتراكمات سابقة. وأوضح أن هذه الوضعية تعود إلى تراجع عدد من المكتسبات التي تحققت بشق الأنفس خلال فترات وزارية سابقة، حيث كان القطاع يسير بخطى أكثر توازنا واستقرارا.
وأشار إلى أن التحول الذي عرفه نظام الدعم، خصوصا مع اعتماد أسلوب الدعم المباشر بدل المرور عبر لجان مختصة، أثر بشكل واضح على دينامية المسرح، إذ انتقل من آلية تشجع التنافس والإبداع إلى مجال أتاح فرصا للاستفادة المادية دون ارتباط فعلي بالفعل الفني. وأضاف أن هذا التغيير ساهم في بروز ممارسات تجعل من المسرح وسيلة للربح بدل كونه مجالا للإنتاج الثقافي، وهو ما انعكس كذلك على قصر الموسم المسرحي الذي أصبح محدودا زمنيا بشكل ملحوظ.
وتابع موضحا أن جائحة كورونا جاءت في وقت كان فيه القطاع يعاني أصلا من الإرهاق، وهو ما زاد من تعقيد الأوضاع، بل واعتبر أن الظروف الصحية شكلت نوعا من التخفيف غير المباشر عن الجهات المسؤولة من ضغط الاحتجاجات التي كان يرفعها الفنانون بسبب الاختلالات القائمة. وأبرز أن التوقف الذي فرضته الجائحة لم يقابله تحرك فعلي لمعالجة المشاكل، مما عمق الإحساس بالجمود داخل الحقل الثقافي.
وتطرق إلى مسألة تعاقب المسؤولين على وزارة الثقافة خلال فترة حكومية واحدة، مبرزا أن هذا التغير المتكرر أثر على استمرارية السياسات الثقافية، كما أشار إلى أن التحضير للمواسم المسرحية يتطلب رؤية مسبقة واستقرارا في التدبير، وهو ما لم يتحقق بالشكل المطلوب. وفي السياق ذاته، شدد على ضرورة إحداث تحول جذري في السياسة الثقافية يقوم على إعادة هيكلة القطاع بشكل شامل، بما يسمح ببناء صناعات ثقافية حقيقية بدل الاكتفاء بمحاولات جزئية تفتقر إلى الأسس المتينة.
وأكد أن المسرح المغربي، منذ بداياته بعد الاستقلال، تأسس بفضل جهود المبدعين وإصرارهم، وهو ما لا يزال مستمرا إلى اليوم، غير أن هذا العطاء لم يواكبه تنظيم مهني واجتماعي واقتصادي متكامل، مما جعل أثره محدودا خارج دائرة الإبداع. وأوضح أن نظام الدعم، رغم أهميته، يبقى حلا ظرفيا لا يمكنه لوحده تحقيق تنمية مستدامة، داعيا إلى استعادة التوازن ثم المرور إلى مرحلة الهيكلة قبل التفكير في تطوير الصناعات الثقافية.
وفي ما يتعلق بالإطار القانوني، تحدث عن الإشكالات المرتبطة بتصنيف الفنانين، خاصة في ما يخص صفة العامل المستقل مقابل الأجير، معتبرا أن النقاش الدائر في هذا الجانب يعكس نقصا في فهم الجوانب القانونية والاجتماعية المرتبطة بالمهن الفنية. وأبرز أن طريقة تطبيق القوانين الحالية، خصوصا ما يتعلق ببطاقة الفنان، تشهد اختلالات تؤثر على حقوق العاملين في المجال.
وأضاف أن طبيعة العمل الفني، التي تتسم بالتقطع والتعاقد المؤقت مع جمعيات أو شركات، لا تعني بالضرورة فقدان صفة الأجير، بل إن القوانين المنظمة تؤكد عكس ذلك، مشددا على ضرورة احترام المقتضيات القانونية التي تضمن الحماية الاجتماعية والحقوق المهنية للفنانين. كما أشار إلى وجود إشكال مزدوج يتمثل في ميل بعض الفنانين إلى تبني مفهوم الاستقلالية بمعناه اللغوي، مقابل سعي بعض المسؤولين إلى تبسيط الإجراءات على حساب الضمانات القانونية.
وأوضح أن هذا الوضع يخلق مفارقة حقيقية، حيث يتم التعامل مع مهن فنية وفق أنظمة لا تتلاءم مع طبيعتها، سواء من حيث الجوانب الضريبية أو الاجتماعية، وهو ما قد يؤدي مستقبلا إلى تعقيدات أكبر تمس استقرار الفنانين المهني. ويرى أن تجاوز هذه الإشكالات يتطلب وعيا أكبر من مختلف الأطراف، إضافة إلى مراجعة شاملة لكيفية تنزيل القوانين بما ينسجم مع خصوصية المجال الفني.
قد يعجبك ايضا