بين خشبات المسارح العالمية وأضواء هوليوود الساطعة، يبرز اسم فنان استثنائي نجح في تحويل الكوميديا الفردية (One Man Show) إلى لغة عالمية تتخطى الحدود الثقافية والجغرافية؛ فكيف استطاع شاب غادر حواري الدار البيضاء في سن السابعة عشرة أن يستحيل نجما فوق العادة في الساحة الفنية الفرنسية والدولية؟ إنه المبدع الذي ظل مخلصا للكنته وعفويته المغربية، مصرا على حمل هويته في حقيبته أينما ارتحل، ومثبتا في كل إطلالة إعلامية أن الضحك الحقيقي ينبع من الصدق والتصالح التام مع الجذور والذاكرة الشعبية الأولى.
يعد الفنان الكوميدي العالمي جاد المالح، المولود في 19 أبريل 1971 بمدينة الدار البيضاء، واحدا من أشهر صناع الفكاهة والتشخيص في العالم الفرنكوفوني. نشأ المالح في أسرة مغربية يهودية محبة للفنون، حيث تأثر بوالده الذي كان يمارس فن التعبير الصامت. تابع دراسته الثانوية في ثانوية ليوطي بالبيضاء، قبل أن يهاجر إلى كندا ثم فرنسا لدراسة العلوم السياسية والمواظبة على التكوين المسرحي بمدرسة فلوران العريقة. وبصم طيلة مسيرته على عروض مسرحية أسطورية وسينمائية ناجحة مثل فيلم “شوشو” وفيلم “كوكو”، فضلا عن خوضه غمار الإخراج السينمائي وتألقه في عروض باللغة الإنجليزية في قلب الولايات المتحدة الأمريكية.
وصرح في إطلالة تلفزيونية بارزة حظي بإشادة واسعة وتداول قياسي في المنصات الإلكترونية المغربية، بموقف حازم وصريح يخص هويته والانتماء؛ حيث رد بقوة وعفوية على سؤال منشطة إحدى الشاشات الأوروبية التي وصفته بالفنان “الفرنسي المغربي”. وأكد المالح في هذا السياق قائلا: “لست فرنسيا مغربيا، أنا مغربي مهاجر في فرنسا”. وعبر عن اعتزازه المطلق واللامشروط بجذوره التاريخية، مشددا على أن الهوية المغربية لا تقبل التجزئة أو المزايدات، ومبرزا قيم التضامن والتآزر الأصيلة التي أبان عنها الشعب المغربي في مختلف المحطات والمحن الإنسانية.
وكشف في حديث للإعلام أن عودته الأخيرة إلى الساحة الفنية الوطنية من خلال جولة عروضه الكوميدية الحديثة، تحمل حملا كبيرا من المشاعر والمسؤولية الأخلاقية تجاه أبناء وطنه. وأوضح المالح في معرض تفسيراتها أن الأداء أمام الجمهور المغربي يشبه إلى حد كبير الوقوف أمام أفراد العائلة، حيث يتملكه الخوف والارتباك رغبة في ألا يخيب ظنهم. وأضاف الفنان العالمي في تصريحاته الأخيرة أن اختياراته الفنية الراهنة جاءت انطلاقا من قناعته بأن الإنسان بعد تجاوز سن الخمسين يبدأ بالاقتراب أكثر من جوهره الحقيقي، ويصبح أكثر وفاء للقيم التي نشأ عليها بعد رحلة طويلة من البحث عن الذات.
وعبر في لقاء صحفي وعبر حساباته الرقمية عن تساؤلاته حيال أسباب استمرار إغلاق المعالم الثقافية الكبرى بالبلاد. وأكد المالح في إفادته أن السبب الرئيسي وراء عدم تنظيمه لجولات كوميدية واسعة تشمل مختلف المدن المغربية يعود بالأساس إلى عدم افتتاح المسرح الكبير بالرباط والمسرح الكبير للدار البيضاء حتى الآن. واسترسل مبينا في توضيحاته أن هذين المسرحين يعدان من المنشآت الفنية الرائعة والضخمة، متمنيا من الجهات المسؤولية فتح أبوابهما المغلقة ليتسنى للمبدعين المغاربة والعالميين لقاء جماهيرهم في ظروف احترافية تليق بمستوى تطلعات المشهد الثقافي الوطني.
وأردف الفنان الكوميدي في حديثه متطرقا إلى الجوانب الفنية والرياضية التي أثرت في وجدانه، مستحضرا بفخر واعتزاز الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الوطني المغربي في نهائيات كأس العالم. وأوكل الفنان المغربي الحديث لمشاعره موضحا في سياق كلامه أنه لم يتمالك دموعه عند مشاهدته طريقة احتفال لاعبي “أسود الأطلس” مع أمهاتهم فوق أرضية الملعب، معتبرا أن هذا المشهد الإنساني العظيم تجاوز حدود كرة القدم كرياضة ليعكس للعالم أجمع عمق الروابط الأسرية والتربوية التي تميز المجتمع المغربي. وتابع مبينا أن هذه المواقف الملهمة تظل مصدرا أساسيا لتغذية إبداعه الفني وصياغة محتوى فكاهي يحمل رسائل إنسانية صادقة وعميقة.
وأنهى كلماته بالحديث عن التحديات المهنية والانتقادات التي واجهته طوال مسيرته، لاسيما تهم السرقة الفنية التي طالت بعض عروضه السابقة في فترات ماضية. وباح في اعترافات واقعية بأن تصدر اسمه لعناوين الأخبار بتلك التهم لم يكن بالأمر الهين عليه، واصفا الهجوم الممنهج الذي تعرض له بأنه ينم عن كراهية وعنف، ومؤكدا في الوقت ذاته أن تجاوزه لتلك الأزمة والعودة بقوة إلى خشبة المسرح يعكسان صلابته الفنية والمهنية. وأكد في الختام أن شعار “البساطة، الحقيقة، والضحك” سيبقى البوصلة الأساسية التي تحكم إنتاجاته، معبرا عن امتنانه الدائم لجمهور الذي يظل الدافع الأول للاستمرار والابتكار في شتى المحافل الفنية الدولية.
قد يعجبك ايضا