بين خشبة المسرح وأضواء التلفزيون، تواصل الفنانة المغربية خديجة زروال شق طريقها بخطى ثابتة، مستندة إلى تجربة طويلة راكمتها منذ سنوات الطفولة، وإلى تكوين أكاديمي جعلها أكثر وعيا بتفاصيل المهنة ومتطلباتها. واستطاعت الفنانة، بفضل حضورها المتنوع وقدرتها على تجسيد شخصيات مختلفة، أن تحجز لنفسها مكانا ضمن الأسماء التي أثثت المشهد الفني المغربي خلال السنوات الأخيرة، خصوصا من خلال مشاركاتها في مجموعة من الأعمال الدرامية والمسرحية التي كشفت عن إمكاناتها في التشخيص والتفاعل مع مختلف القضايا الاجتماعية والإنسانية.
وتنحدر خديجة زروال من مدينة كلميم، وقد بدأت علاقتها بالمسرح في سن مبكرة، تحديدا عندما كانت في السابعة من عمرها بمدينة طانطان، قبل أن تتجه لاحقا إلى الدراسة والتكوين في المجال الفني. وخاضت في بداية مسارها الدراسي تجربة بكلية العلوم الاقتصادية، قبل أن تختار تغيير مسارها والالتحاق بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، حيث تلقت تكوينا أكاديميا ساعدها على تطوير أدواتها في التشخيص والوقوف أمام الجمهور والكاميرا. ومنذ ذلك الحين، واصلت حضورها في عدد من الأعمال التلفزيونية والمسرحية، من بينها «ياقوت وعنبر» و«حديدان وبنت الحراز» و«سوق الدلالة» و«صورتك بين عينيا» و«عين كبريت» و«الصك وغنيمة» و«أسرار الليل»، إلى جانب تجارب أخرى أضافت إلى رصيدها الفني.
وكشفت خديجة زروال في تصريحات صحفية لها أن الشخصية التي جسدتها في فيلم «الحب المر» شكلت تجربة مختلفة بالنسبة إليها، خصوصا أنها ترتبط بقضية اجتماعية وإنسانية حساسة وتضع المشاهد أمام تفاصيل علاقة زوجية تتداخل فيها المشاعر مع الصراعات النفسية. وأوضحت أن شخصية «رانيا» التي قدمتها تنتمي إلى نموذج من النساء المغربيات اللواتي يتحملن الكثير من الضغوط داخل الحياة الزوجية، قبل أن يصلن إلى مرحلة يصبح فيها الصمت والاستمرار أمرا صعبا. وأضافت أن الشخصية تمر بمجموعة من التحولات نتيجة ما تعيشه من خيانة واستغلال نفسي، وهو ما جعلها أمام مسؤولية كبيرة في تقديم أبعادها النفسية والانفعالية بشكل مقنع، بعيدا عن الاختزال أو التقديم السطحي.
وعبرت الفنانة عن ارتباطها القوي بالمسرح، مؤكدة أن علاقتها بهذا المجال قديمة جدا ولم تكن مجرد مرحلة عابرة في مسيرتها، بل رافقتها منذ طفولتها واستمرت إلى جانب تجاربها التلفزيونية. وأشارت إلى أنها تعتبر نفسها «إنسانة مسرحية»، بالنظر إلى السنوات التي قضتها في هذا المجال والتكوين الذي تلقته، مؤكدة في الوقت نفسه أن انتقالها إلى التلفزيون جاء نتيجة طبيعية للفرص التي أتيحت لها وللشخصيات التي وجدت فيها ما يستحق الاشتغال عليه. كما أوضحت أن اختيارها للأعمال لا يقوم فقط على فكرة الحضور، وإنما يرتبط بدرجة اقتناعها بالدور وبمدى قدرته على منحها مساحة حقيقية للتعبير وإبراز إمكاناتها كممثلة.
وشكلت مشاركتها في «الحب المر» محطة أخرى ضمن مسارها، إذ قدمت من خلاله شخصية تحمل أبعادا نفسية واجتماعية متعددة، في عمل يسلط الضوء على العلاقات العاطفية المعقدة وما يمكن أن ينتج عنها من أزمات داخل الأسرة. وجاءت هذه التجربة إلى جانب عدد من الأعمال التي سبق أن شاركت فيها، والتي مكنتها من الانتقال بين أنماط مختلفة من الشخصيات، سواء تلك التي تنتمي إلى الدراما الاجتماعية أو الأعمال ذات الطابع الكوميدي أو القصص التي تستند إلى قضايا من الحياة اليومية. ويبدو هذا التنوع من أبرز السمات التي تميز اختياراتها، إذ تحرص على عدم البقاء داخل قالب واحد، وتسعى باستمرار إلى خوض تجارب تمنحها فرصة لاكتشاف جوانب جديدة من أدائها.
وبالتوازي مع حضورها التلفزيوني، حافظت خديجة زروال على علاقتها بالمسرح، الذي يمثل بالنسبة إليها فضاء أساسيا للتعبير والتجريب وتطوير أدوات الممثل. وسبق أن شاركت في أعمال مسرحية استحضرت قضايا اجتماعية وثقافية مختلفة، وهو ما منح تجربتها بعدا إضافيا وجعلها أكثر قدرة على التعامل مع الشخصيات المركبة والمواقف التي تتطلب حضورا مباشرا وتفاعلا قويا مع الجمهور. ومع تراكم هذه التجارب، تبدو زروال حريصة على مواصلة البحث عن أدوار جديدة وعدم تكرار نفسها، واضعة جودة الشخصية وقوة العمل في مقدمة اهتماماتها، وهو ما يفسر تنقلها بين المسرح والتلفزيون واستمرارها في تطوير تجربتها الفنية.
وهكذا، تواصل خديجة زروال بناء مسيرتها بعيدا عن الاستسهال، مستفيدة من تكوينها المسرحي ومن التجارب التي راكمتها أمام الكاميرا وعلى الخشبة. وبين الشخصيات الاجتماعية والأدوار المركبة والتجارب المسرحية، تؤكد الفنانة أن التنوع يظل أحد مفاتيح الاستمرار في المجال الفني، وأن قيمة الممثل لا تقاس بعدد الأعمال التي يشارك فيها فقط، وإنما بقدرته على ترك أثر مختلف في كل شخصية يقدمها. ومع استمرار حضورها في المشهد الفني المغربي، تظل زروال أمام رهانات جديدة تتيح لها توسيع تجربتها وخوض تحديات أكثر تنوعا، بما ينسجم مع مسار فني اختارت أن تبنيه بالتدرج والبحث المستمر عن الأدوار التي تضيف إلى رصيدها.