في كل مرحلة من مسيرته، يجد زهير بهاوي نفسه أمام تحد جديد يفرض عليه إعادة النظر في أدواته واختياراته، خصوصا بعدما أصبح اسمه مرتبطا بجمهور واسع ينتظر منه في كل مرة ما هو مختلف وغير متوقع. وبين الانتشار الكبير الذي حققته أعماله السابقة، والتجارب المتنوعة التي خاضها بين الأغنية المنفردة والديوهات والاشتغال على أنماط موسيقية متعددة، يبدو أن الفنان المغربي اختار اليوم أن يتعامل مع مساره بقدر أكبر من التروي، واضعا الجودة والتجديد في مقدمة رهاناته.
فبهاوي لا يكتفي بالحفاظ على حضوره، بل يسعى إلى توسيع مدارات تجربته، سواء من خلال أعمال جديدة أو عبر الانفتاح على ألوان موسيقية لم يقدمها بالشكل الكامل من قبل، وهو ما يجعل خطواته المقبلة محط اهتمام جمهور يتابع تحولات تجربته باهتمام.
يعد زهير بهاوي واحدا من الأسماء التي استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تفرض حضورها بقوة داخل المشهد الغنائي المغربي، بعدما حققت أعماله انتشارا واسعا على المنصات الرقمية، ونجح في بناء هوية موسيقية تجمع بين الإيقاعات العصرية واللمسة المغربية والمواضيع القريبة من اهتمامات الجمهور الشاب. وراكم الفنان رصيدا مهما من الأغاني التي ساهمت في تثبيت اسمه، من بينها «غمزة» و«هاستا لويغو» و«ديزولي» و«موتشا غراسياس» و«دينيرو» و«ناري» و«حبك أنت» و«كراشي»، إلى جانب «ديكابوطابل» التي حققت أرقاما ضخمة على منصة يوتيوب.
ولم يحصر بهاوي نشاطه في الغناء، إذ خاض أيضا تجربة التمثيل من خلال مسلسل «سول دموعي»، كما أسس شركة إنتاج خاصة به، في خطوة تعكس رغبته في توسيع حضوره داخل المجال الفني وعدم الاكتفاء بدور المغني والمؤدي.
كشف في تصريحات صحفية له أن المرحلة المقبلة ستشهد عودته بقوة إلى الساحة الفنية من خلال مجموعة من الأعمال الجديدة، موضحا أن قلة نشاطه خلال الفترة الماضية ارتبطت بظروف شخصية، بعدما رزق بابنته الأولى «ليلى»، وفضل تخصيص جزء كبير من وقته للعيش معها ومواكبة تفاصيل عامها الأول. وأوضح بهاوي، في حوار حديث له، أن طبيعة عمل الفنان تفرض عليه السفر المتواصل، وهو ما قد يجعله يفوت لحظات عائلية مهمة.
لذلك اختار أن يمنح أسرته مساحة أكبر، قبل أن يؤكد استعداده لاستئناف نشاطه الفني، معلنا عن قرب طرح أغنية جديدة. وأضاف أن هناك أيضا أعمالا أخرى قادمة، ما يؤكد أن فترة الهدوء التي عاشها لم تكن ابتعادا عن الفن، وإنما مرحلة أعاد خلالها ترتيب أولوياته قبل العودة إلى جمهوره بأعمال جديدة.
وعبر بهاوي عن رغبته في مواصلة خوض تجارب موسيقية مختلفة، كاشفا أن فكرة تقديم أغنية بالأمازيغية ما تزال حاضرة ضمن مشاريعه، غير أنه لم يجد بعد فريق العمل الذي يراه مناسبا لتنفيذها بالشكل الذي يطمح إليه، سواء على مستوى الكلمات أو الألحان. وأوضح أن ارتباطه بالموسيقى الأمازيغية ليس جديدا، إذ سبق أن استلهم بعض النغمات والألحان الأمازيغية في أعماله، من بينها «كراشي»، مؤكدا افتخاره بهذا اللون الموسيقي وقربه منه واستماعه المستمر إليه.
ويكشف هذا التوجه عن رغبة واضحة لدى الفنان في توسيع تجربته وعدم حصرها في قالب موسيقي واحد، خاصة أنه سبق أن خاض تجارب مختلفة في الديوهات، من بينها تعاونه مع الفنان الإسباني عمر مونتيس في أغنية «زدنايا»، ثم مع الفنان السوري ناصيف زيتون في «يا مسافر»، وهي أعمال تعكس انفتاحه على تجارب ولهجات وخلفيات موسيقية متعددة.
وأضاف الفنان أن سياسته الحالية تقوم على منح كل عمل الوقت والمساحة اللذين يحتاجهما، وهو ما يفسر ميله إلى إصدار الأغاني بشكل منفرد بدل طرح عدد كبير منها دفعة واحدة، حتى يتمكن كل إصدار من الوصول إلى الجمهور وأخذ نصيبه من الاهتمام. وفي هذا السياق، واصل بهاوي خلال سنة 2026 تقديم أعمال جديدة، من بينها «جاتني صعيبة»، التي اختار من خلالها العودة إلى اللون الرومانسي الدرامي، وكتب كلماتها ولحنها، بينما تولى محمد شريف التوزيع الموسيقي، قبل أن يحقق الفيديو كليب انتشارا ملحوظا بعد طرحه.
كما يحافظ الفنان على حضوره فوق خشبات الحفلات والمهرجانات، إذ شارك لأول مرة في مهرجان «تيميتار» بأكادير، وقدم عرضا ضمن جولة صيفية قال إنها تحقق تفاعلا كبيرا، معتمدا فيها على استضافة فنانين مختلفين، بهدف تقديم عروض متنوعة ومتكاملة للجمهور.
ويبدو أن زهير بهاوي يدخل اليوم مرحلة أكثر نضجا في تعامله مع تجربته، مرحلة لا يقيس فيها النجاح فقط بسرعة انتشار الأغنية أو حجم المشاهدات، وإنما بقدرته على تقديم أعمال تضيف إلى مساره وتفتح أمامه أبوابا جديدة. وبين رغبته في الاقتراب أكثر من الموسيقى الأمازيغية، واستمراره في خوض التعاونات الفنية، وحرصه على تقديم أغان منفردة تحظى بالاهتمام، يواصل الفنان بناء مسار يقوم على التنوع والبحث عن التجديد.
كما أن التحول الذي عرفته حياته الشخصية بعد الأبوة يبدو أنه انعكس على نظرته إلى العمل والحياة، بعدما أصبح أكثر حرصا على تحقيق التوازن بين أسرته والفن. ومع عودته التدريجية إلى الواجهة الفنية، تظل الأنظار متجهة إلى ما سيحمله بهاوي من مفاجآت جديدة، خصوصا أن رهانه الحالي يبدو واضحا: الحفاظ على علاقته القوية بالجمهور، مع الابتعاد عن التكرار والاستسهال والبحث باستمرار عن مساحة فنية مختلفة.