يعد المخرج المغربي هشام العسري من الأسماء التي استطاعت أن تفرض حضورها داخل المشهد السينمائي الوطني، إذ ارتبط اسمه بأعمال تحمل طابعا خاصا وتثير نقاشا واسعا بين المتابعين، وذلك بفضل اختياراته الفنية التي تميل إلى كسر القوالب الجاهزة، كما يعكس مساره توجها واضحا نحو تقديم سينما ذات بصمة شخصية تنفتح على قضايا المجتمع وتناقضاته، وهو ما منحه مكانة مميزة ضمن الأصوات التي تسعى إلى تجديد التعبير السينمائي بالمغرب.
كشف في تصريح للصحافة أن عمله الأخير أعاد إلى الواجهة مجموعة من التساؤلات المرتبطة بطبيعة المواضيع التي يمكن للسينما معالجتها، وكذا حدود التفاعل بين حرية الإبداع ومتطلبات السوق وانتظارات المجتمع، موضحا أن هذه التجربة تندرج ضمن مسار فني يسعى من خلاله إلى ترسيخ تصور للسينما باعتبارها مجالا للتفكير والتعبير، وليس مجرد وسيلة للترفيه، وهو ما يفتح الباب أمام نقاشات تتجاوز حدود الشاشة.
وأوضح أن القاعات السينمائية المغربية في حاجة إلى تنوع حقيقي في الإنتاجات، حيث لا يمكن الاكتفاء بنمط واحد من الأفلام، بل يجب إتاحة المجال لأعمال متعددة تستجيب لاختلاف الأذواق، مضيفا أن سينما المؤلف تظل موجهة لفئة معينة من الجمهور تمتلك حساسية فنية خاصة، وفي المقابل تبقى الأفلام التجارية والكوميدية ضرورية لجذب جمهور أوسع، وهو ما يساهم في تحقيق توازن داخل المشهد السينمائي.
وأشار إلى أن الاتهامات التي توجه إليه بخصوص تعمد إثارة الجدل لا تعكس حقيقة مقاربته، مؤكدا أن السينما بالنسبة إليه تقوم على الاشتغال العميق على اللغة والصورة، وأن اختياره لمواضيع حساسة ينبع من رغبته في ملامسة قضايا قائمة داخل المجتمع، وبالتالي فإن النقاش الذي يرافق هذه الأعمال يظل أمرا طبيعيا، وليس هدفا في حد ذاته، بل وسيلة لفتح آفاق التفكير والحوار.
واعتبر أن الجدل الذي يواكب بعض أعماله يمكن أن يكون إيجابيا إذا ساهم في خلق نقاش حقيقي بين الجمهور، حيث إن اختلاف الآراء يعكس حيوية العمل الفني وقدرته على التأثير، موضحا أن الإشكال يكمن أحيانا في رفض بعض الأعمال دون محاولة فهمها أو تحليلها، وهو ما يحد من تطوير الذوق العام ويجعل النقاش سطحيا.
كما تطرق إلى الانتقادات التي طالت عمله الأخير، مبرزا أن جزءا كبيرا منها صدر بناء على انطباعات أولية أو مواد ترويجية دون مشاهدة الفيلم كاملا، وهو ما يؤدي إلى تأويلات غير دقيقة، مؤكدا أن تقييم أي عمل فني ينبغي أن يتم بعد الاطلاع عليه بشكل شامل، بعيدا عن الأحكام المسبقة.
وأضاف أن عنصر الاستفزاز في أعماله يرتبط بمحاولة مساءلة الأفكار الهشة وليس المساس بالقناعات الراسخة، موضحا أن الفن بطبيعته يطرح الأسئلة ولا يقدم أجوبة جاهزة، وأنه يسعى من خلال أعماله إلى تفكيك بعض الظواهر والتعبير عن رؤيته الخاصة، معتبرا أن قوة القناعات لا يمكن أن تتأثر بعمل فني، بل إن ردود الفعل قد تكشف عن زوايا أخرى للنقاش.
وتحدث عن مسار إنجاز فيلمه، مشيرا إلى أنه استغرق سنوات من العمل، حيث عمل على تطوير أسلوب الكتابة واختيار معالجة مختلفة على مستوى السرد والشخصيات، مع تقديم رؤية مغايرة لبعض القضايا المرتبطة بالعنف والتطرف، وذلك في إطار فني يسعى إلى الابتعاد عن الصور النمطية ومنح العمل عمقا جماليا يميزه.
كما أشار إلى اختياره الاشتغال ضمن نوع سينمائي له خصوصياته، موضحا أن التحدي يكمن في إعادة صياغة هذه القواعد بما يتلاءم مع الواقع المحلي، بحيث يتم تقديم عمل يجمع بين البعد العالمي والخصوصية المغربية، وهو ما يعزز حضور السينما الوطنية في الساحة الدولية.
وأكد أن حرية التعبير تظل عنصرا أساسيا في العملية الإبداعية، معتبرا أن فرض قيود على الفنان يتنافى مع طبيعة الفن، وأن تنوع الإنتاجات السينمائية يساهم في إبراز صورة إيجابية عن المغرب، كما أن الأعمال ذات القيمة الفنية تشكل وسيلة لإبراز قدرات المبدعين المغاربة في المحافل الدولية.
وانتقد هيمنة المنطق التجاري على بعض الإنتاجات، موضحا أن التركيز على العائدات المالية فقط يؤدي إلى تراجع جودة الأعمال، حيث يتم تقييمها بناء على أرباحها بدل مضمونها، وهو ما يفتح المجال أمام انتشار محتويات تفتقر إلى العمق، داعيا إلى ضرورة إعادة الاعتبار للقيمة الفنية.
كما عبر عن موقفه من ظاهرة اقتباس الأعمال الأجنبية، معتبرا أن الاعتماد المفرط على هذا الأسلوب يعكس ضعفا في الإبداع، مؤكدا أن الواقع المغربي غني بالقصص التي تستحق أن تتحول إلى أعمال فنية أصيلة، وأن التعبير عن الذات يظل الخيار الأنسب لبناء هوية سينمائية متميزة.
وتحدث عن واقع النقاش الثقافي، مشيرا إلى أنه يشهد في بعض الأحيان تراجعا من حيث العمق، نتيجة حضور أصوات غير مؤهلة، وهو ما يدفع بعض المثقفين إلى الابتعاد، غير أنه يؤكد استمراره في طرح القضايا من خلال أعماله، إيمانا منه بأن السينما تظل مجالا للحوار وتبادل الأفكار، وأن دورها يتجاوز الترفيه ليشمل الإسهام في بناء وعي مجتمعي أكثر انفتاحا.
قد يعجبك ايضا