شهدت جلسة محاكمة البروفيسور رشيد شرقاب لحظات مؤثرة، بعدما لم تتمالك المحامية مريم الإدريسي، عضو هيئة الدفاع عنه، دموعها أثناء تقديم مرافعتها أمام المحكمة، معبرة عن حزنها إزاء الوضع الذي أصبح فيه أطباء يجدون أنفسهم في مواجهة بعضهم البعض داخل قاعات المحاكم، عوض تكريس جهودهم لإنقاذ المرضى وتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم.
وبنبرة امتزج فيها التأثر بالأسى، أكدت الإدريسي أن المكان الطبيعي للأطباء هو المستشفيات والمؤسسات الصحية، حيث يقدمون المساعدة للمرضى ويساهمون في إنقاذ الأرواح، وليس الوقوف أمام القضاء في مواجهة زملائهم. كما عبرت عن أسفها لما وصفته بالوضع الذي آلت إليه الأمور، قائلة إنها تبكي على وطن أصبح يشهد مشاهد غير مألوفة، يتواجه فيها أطباء أمام المحاكم بدل توحيد جهودهم لخدمة المرضى.
وأثارت المحامية، خلال مرافعتها، تساؤلات بشأن خلفيات الملف وتطوراته، خاصة أن الدكتور شرقاب يوجد خلف القضبان، في الوقت الذي أصبح فيه عدد من الأطباء معنيين بالحضور أمام القضاء. واعتبرت أن القضية، وفق ما عرضته أمام المحكمة، ترتبط أساسا بتدخل طبي كان الهدف منه إنقاذ حياة مريض وتقديم المساعدة له في ظروف صحية صعبة.
وفي سياق دفاعها عن موكلها، تقدمت الإدريسي بملتمس يرمي إلى إجراء خبرة طبية على المريض ياسين، مقترحة إسناد هذه المهمة إلى أطباء تابعين للدرك الملكي أو الأمن الوطني، ومن خارج مدينة الدار البيضاء، وذلك ضمانا للحياد والاستقلالية، وتفاديا لأي تضارب محتمل في المصالح، بالنظر إلى طبيعة العلاقات المهنية التي تجمع الأطراف المعنية داخل الوسط الطبي بالمدينة.
كما شددت على أن الحق في الصحة والعلاج حق مكفول للجميع، ولا ينبغي أن تتحول الخلافات المرتبطة بالتدخلات الطبية إلى عائق أمام تحقيق الغاية الأساسية من الممارسة الصحية، والمتمثلة في حماية حياة المرضى وصون سلامتهم. وختمت مرافعتها بالتعبير عن استغرابها من المسار الذي اتخذه الملف، متسائلة عن الكيفية التي تحولت بها قضية ذات خلفيات إدارية إلى متابعة قضائية تحمل تبعات ثقيلة على الأطراف المعنية.
من جهته، قدم المحامي علاء الدين مرافعة اتسمت بنبرة قوية، استهلها باستحضار المقولة الشهيرة «الظلم ظلمات يوم القيامة»، قبل أن يطرح تساؤلات بشأن طبيعة التدخل الطبي الذي قام به الدكتور شرقاب، وما إذا كانت مساعدة مريضة كانت تعاني من تعفن على مستوى رجلها تستدعي كل هذه المتابعات، خصوصا بعدما صرح الطبيب بأنه تدخل من أجل علاجها والمساهمة في إنقاذ حياتها.
والتمس المحامي بدوره إخضاع المريض ياسين لخبرة طبية مستقلة، معتبرا أن حالته الصحية تثير مجموعة من التساؤلات التي تستدعي توضيحات طبية دقيقة. وفي هذا الإطار، استحضر معطيات متباينة بشأن وضعه، من بينها شهادة أحد الأطباء التي تفيد بأنه دخل المستشفى ماشيا على قدميه، مقابل ظهوره أمام المحكمة على كرسي متحرك ومرفوقا بمعدات طبية.
وتوقف الدفاع كذلك عند تصريحات ياسين أمام هيئة المحكمة، والتي أكد فيها أن الدكتور رشيد شرقاب قدم له المساعدة وأسهم في إنقاذه من خطر بتر رجله، وهي الإفادة التي استحضرها المحامون في سياق توضيح طبيعة التدخل الذي قام به الطبيب. في المقابل، أشار الدفاع إلى تصريحات طبيب آخر اعتبر أن الحالة الصحية للمريض لم تكن تستوجب إدخاله إلى قسم الإنعاش، على أساس أن التعفن لم يكن قد وصل إلى العظم.
وأثارت هذه المعطيات نقاشا خلال الجلسة، حيث عبر الدفاع عن استغرابه من التركيز على بعض الجوانب المرتبطة بمسار دخول المريض إلى المصلحة الطبية والإجراءات التي رافقت علاجه، متسائلا عما إذا كان الأولى هو الوقوف عند الظروف التي جرى فيها التدخل، أم إعطاء الأولوية للنتيجة الطبية والإنسانية المتمثلة في إنقاذ المريض وحمايته من مضاعفات قد تهدد سلامته.
وأكد دفاع الدكتور شرقاب أن جوهر العمل الطبي يظل مرتبطا بالقيام بالواجب المهني والإنساني، من خلال التدخل لإنقاذ المرضى وتوفير العلاج المناسب لهم، معتبرا أن تقييم أي تدخل طبي ينبغي أن يستند إلى معطيات علمية وخبرة متخصصة، بعيدا عن الاكتفاء بالجوانب الإدارية والإجرائية التي قد تحيط بالملف.
وفي ختام الجلسة، قررت المحكمة تأجيل مواصلة النظر في القضية إلى 19 نونبر، وذلك عقب الاستماع إلى الشهود ومناقشة الملتمسات التي تقدم بها المحامون، إلى جانب عرض الدفوع الأولية والشكلية المرتبطة بالملف. ويأتي هذا القرار في انتظار استكمال مناقشة مختلف المعطيات والحجج التي تقدم بها أطراف القضية خلال الجلسة المقبلة، علما أن الدكتور رشيد شرقاب ينتصب أيضا طرفا مدنيا في هذا الملف.