بين الكوميديا التي تنتزع الضحكات والحكايات الإنسانية التي تلامس تفاصيل الحياة اليومية، يعود الفنان المغربي رفيق بوبكر إلى الواجهة السينمائية من خلال فيلم «باك ليبر»، في تجربة جديدة تجمع بين المواقف الطريفة والرسائل الاجتماعية العميقة.
ويخوض الفنان هذه المغامرة بشخصية تحمل الكثير من التعقيدات الإنسانية، ضمن قصة تعيد طرح سؤال الطموح والفرص الضائعة وإمكانية البدء من جديد مهما تقدم الإنسان في العمر. ولا يكتفي العمل، الذي يشرف على إخراجه ياسين فنان، بتقديم جرعة من الكوميديا، بل يفتح المجال أمام الجمهور للتأمل في أحلام مؤجلة وظروف قد تحول دون تحقيقها في الوقت المناسب.
قبل أن تمنح الحياة أصحابها فرصة أخرى لاستعادة ما فاتهم. ومن خلال هذا الدور، يكشف بوبكر عن ملامح تجربة فنية تراهن على المزج بين الترفيه والرسائل القريبة من واقع المجتمع المغربي.
ويعد رفيق بوبكر من الأسماء المعروفة في الساحة الفنية المغربية، إذ استطاع، عبر مشاركاته السينمائية والتلفزيونية، أن يرسخ حضوره بفضل أسلوبه الخاص في التشخيص وقدرته على تقديم شخصيات متنوعة تجمع بين الحس الكوميدي والأداء الدرامي. وراكم الفنان تجارب متعددة جعلته قريبا من الجمهور، خصوصا من خلال الأدوار التي تستلهم تفاصيلها من الحياة اليومية وتقدم مواقف تتقاطع فيها الطرافة مع التناقضات الاجتماعية.
كما ارتبط اسمه بأعمال سينمائية تركت صدى لدى المشاهد المغربي، من بينها فيلم «قسم 8»، الذي عاد إلى الواجهة خلال حديثه عن تجربته الجديدة، بسبب احتمال عقد مقارنات بينه وبين «باك ليبر». غير أن بوبكر يوضح أن لكل عمل خصوصيته وحكايته المستقلة، معتبرا أن التشابه في بعض العناصر لا يعني بالضرورة تكرار التجربة نفسها. ويأتي حضوره في الفيلم الجديد امتدادا لمسار فني يواصل من خلاله البحث عن أدوار مختلفة تمنحه فرصة لتجديد أدائه والانفتاح على موضوعات تحمل أبعادا إنسانية واجتماعية.
وكشف رفيق بوبكر، في تصريحات صحفية للصحافة المغربية، خلال كواليس تصوير فيلم «باك ليبر» بمدينة الدار البيضاء، عن تفاصيل الشخصية التي يجسدها، موضحا أنه يؤدي دور «البشير»، وهو رجل يعيش على هامش المجتمع في ظروف اجتماعية صعبة، ويقيم رفقة والدته المريضة، التي تجسد دورها الفنانة نزهة بدر.
وأضاف أن حياة الشخصية تدور داخل محيط محدود من الأصدقاء، قبل أن تعرف تحولات مع دخول قصة حب إلى مسارها، إذ يرتبط البشير بعلاقة عاطفية مع «نعيمة»، التي تؤدي دورها الفنانة ماجدولين الإدريسي، لتدخل شخصية أخرى، تجسدها سارة بوعابد، على خط هذه العلاقة، فتتشابك الأحداث وتتطور مسارات الحكاية. وأوضح بوبكر أن التحول الأساسي في حياة البشير يحدث عندما يبلغ نحو 48 أو 50 عاما، وهي المرحلة التي يقرر فيها، بتشجيع من أصدقائه، العودة إلى مقاعد الدراسة واجتياز امتحان البكالوريا بصفة حرة. وتحمل هذه الخطوة، وفق التصور الذي يقدمه الفيلم، دلالة تتجاوز مجرد استئناف الدراسة، لتصبح تعبيرا عن رغبة الإنسان في استعادة أحلامه ومواجهة الظروف التي حالت دون تحقيقها في وقت سابق.
وأكد بوبكر أن الرسالة الأساسية التي يحملها «باك ليبر» تتمثل في أن العمر لا ينبغي أن يتحول إلى عائق أمام الطموح، مشددا على أن الإنسان يستطيع مواصلة التعلم وفتح أبواب جديدة أمام نفسه حتى بعد بلوغه الخمسين أو الستين. وأوضح أن فكرة العودة إلى الدراسة واجتياز البكالوريا ثم الالتحاق بالجامعة تبرز أن فرص التغيير تظل قائمة، وأن التأخر في تحقيق هدف معين لا يعني استحالة الوصول إليه.
كما كشف أن الفيلم لا يقوم على بطل واحد، خلافا لما قد يوحي به التركيز على الشخصية التي يؤديها، مشيرا إلى أن الأحداث تتوزع بين مجموعة من الشخصيات التي تسهم في بناء الحكاية، حتى عندما تروى بعض مراحلها من وجهة نظر شخصية بعينها.
وأضاف أن العمل يختلف من حيث طريقة الاشتغال عليه، لأنه لا يعتمد على الكوميديا والضحك وحدهما، بل يوظف التقنيات السينمائية لخدمة الموضوع وإبراز أبعاده. ومن هذا المنطلق، تبدو الحكاية أقرب إلى دعوة مفتوحة لكل من اضطرته ظروف الحياة إلى التخلي عن حلمه، كي يعيد التفكير في إمكانات العودة إليه، دون أن يجعل من مرور الزمن سببا للاستسلام.
وفي ما يتعلق بالمقارنة بين «باك ليبر» وفيلم «قسم 8»، أوضح رفيق بوبكر أنه لا يرى تشابها مباشرا بين العملين، رغم احتمال وجود بعض العناصر المشتركة أو لمسات محدودة قد تكون حضرت أثناء كتابة السيناريو. وأشار إلى أن القصة والأحداث والأماكن تختلف، مؤكدا أن لكل فيلم مساره الخاص والحكاية التي تميزه عن غيره.
كما تحدث عن علاقته بباقي أفراد طاقم التمثيل، معربا عن ارتياحه للأجواء التي تسود موقع التصوير، خصوصا أن غالبية الممثلين سبق أن اشتغل معهم في تجارب سابقة. وأضاف أن هذه المعرفة ساهمت في خلق حالة من الانسجام والتفاهم بين أفراد الفريق، وهو ما انعكس على سير العمل وروح التعاون بينهم. وأعرب عن سعادته بالاشتغال إلى جانب المخرج ياسين فنان والفنانة ماجدولين الإدريسي، التي تجمعه بها صداقة متينة.
ويضم الفيلم مجموعة من الأسماء الفنية المغربية، من بينها رفيق بوبكر، وماجدولين الإدريسي، ونزهة بدر، وسارة بوعابد، ضمن تجربة تسعى إلى تقديم حكاية جماعية تتقاطع فيها المواقف الكوميدية مع التحولات الشخصية والاجتماعية.
ويبدو أن رفيق بوبكر يراهن من خلال «باك ليبر» على تقديم عمل يتجاوز حدود الكوميديا التقليدية، ليمنح الجمهور حكاية تذكره بأن الأحلام لا تفقد قيمتها لمجرد تأخر تحقيقها، وأن العودة إلى نقطة البداية قد تكون أحيانا الخطوة الأولى نحو تغيير حقيقي. فشخصية البشير، بما تحمله من ظروف صعبة وعلاقات متشابكة ورغبة في استعادة فرصة الدراسة، تجسد فكرة أن الإنسان قادر على إعادة رسم مساره متى امتلك الإرادة ووجد من يشجعه على المضي قدما.
وبين خبرته في التشخيص وطبيعة الموضوع الذي يتناوله الفيلم، يواصل بوبكر خوض تجربة جديدة في السينما المغربية، واضعا أمام الجمهور عملا يجمع بين الضحك والتأمل في واقع الحياة. ويبقى الرهان أن تصل رسالة الفيلم إلى المشاهدين، وأن تدفعهم حكايته إلى إعادة النظر في أحلام اعتقدوا يوما أنها أصبحت بعيدة المنال، لأن قطار الطموح لا يفوت الإنسان بالضرورة، ما دام قادرا على اتخاذ قرار جديد وفتح صفحة مختلفة في حياته.