على تقاطعات الفكر الفني والرؤية البصرية المتمردة، يتجلى اسم إدريس الروخ كصانع عوالم يمتلك بصمة إخراجية تمزج بين الفلسفة الإنسانية وجرأة التشريح الاجتماعي. إنه المبدع الذي استطاع الانتقال بسلاسة وثقة من ضوء الأداء وهيبة التشخيص أمام الكاميرا إلى عتمة غرف المونتاج وإدارة البلاتو خلفها، متسلحا بخلفية أكاديمية صارمة وإيمان مطلق بأن العمل السينمائي والتلفزيوني ليس وسيلة لتزجية الوقت، وإنما وثيقة فكرية وهيكلية تستفز وعي الجماهير وتحرك المياه الراكضة في جدار الثقافة الوطنية والمجتمعية على حد سواء.
ترعرع المخرج والممثل الرصين إدريس الروخ في العاصمة الإسماعيلية مكناس، حيث صقل موهبته الفطرية بالتحاقه بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط، قبل أن يسافر إلى فرنسا لتعميق معارفه الأكاديمية بالكونسيرفاتوار. طبع مساره التشخيصي بباقة من الأدوار القوية في أفلام مغربية وعالمية بارزة مثل “بابل” و”المنطقة الخضراء”، لينتقل بعد ذلك إلى عالم الإخراج الذي بصم فيه على نجاحات درامية وسينمائية مشهودة، لعل أبرزها شريط “جرادة مالحة” الذي حصد جوائز دولية، وسلسلة “ياك حنا جيران” و”بنات العساس”، واضعا لنفسه خطا إبداعيا لا يشبه أحدا.
أوضح في حوارات إعلامية ومناقشات فكرية واكبها الجمهور أن الابتكار الحقيقي ينبع من القدرة على ملامسة جوهر الكينونة ومشاغل الفرد، مصرحا بيقين راسخ: “أصنع تجاربي الفنية من شغف البحث عن المعنى وقضايا الإنسان، ووجب الرقي بالثقافة لأنها العمود الفقري للمجتمع”. وسجل في معرض حديثه للصحافة رفضه المطلق لتسطيح الإنتاجات الوطنية أو تقديم فرجة استهلاكية عابرة، معتبرا أن النهوض بالوعي الثقافي الجمعي وحماية الذاكرة الجمعية هما الصمام الأساسي لحماية المجتمع والارتقاء به نحو آفاق فكرية وحضارية أرحب.
واستطرد الروخ أثناء تقييمه لواقع العرض والتوزيع بالمملكة، مبرزا أن ندرة القاعات السينمائية وضيق رقعة انتشارها يظلان من أبرز الهواجس والمشاكل المقلقة التي تحد من وصول المنتوج الفني إلى شرائح واسعة من المواطنين. وأعرب بنبرة ملؤها الغيرة الفنية عن أمله في إيجاد حلول لوجستية وهيكلية تعيد الروح لثقافة المشاهدة الجماعية داخل الصالات، مشيرا إلى أن شريطه “جرادة مالحة” ورغم تتويجه الدولي، واجه إكراهات جمة في التوزيع بسبب محدودية شاشات العرض المتوفرة حاليا، مما يستدعي استراتيجية شاملة توازي بين طموح المبدعين وحجم المنظومة الإنتاجية.
ونوه السيناريست والمخرج المغربي بأهمية استثمار آليات التكنولوجيا والرقمنة المعاصرة كالدبلجة لفتح أسواق جديدة وتسويق وتصدير الإبداع الدرامي المغربي نحو شاشات وقنوات المشرق العربي. وأردف في ذات السياق أن الدراما الوطنية تمتلك من الخصوصية والقوة الفنية والجمالية ما يؤهلها للتميز والانتشار، شريطة التركيز التام في البلاتوهات والفصل والتمايز بين مهام المخرج والتشخيص والممثل، لتجنب تشتت الطاقة الذهنية والتركيز الكامل على بلورة رؤية بصرية منسجمة وعميقة ترتقي بجمالية اللقطة وجودة الحوار.
وفي منتهى حديثه، أفصح إدريس الروخ عن امتنانه الكبير لجمهوره ومتابعيه الذين يعتبرهم السند الحقيقي والمحرك الأساسي لمواصلة مغامرته الطموحة في البحث والكتابة الروائية والسينمائية كإصداره الأخير لمؤلفه “الحفرة”. وجدد تأكيده على أن الفن والأدب هما وجهان لعملة إنسانية واحدة تسعى لطرح الأسئلة الجوهرية المقلقة بدلا من تقديم أجوبة جاهزة، داعيا الأجيال الجديدة من الشباب المبدعين إلى التمسك بهوية المجتمع المغربي المتنوعة والاشتغال بحب لتطوير لغة سينمائية تليق بتاريخ المملكة وتشرف مكانتها الإقليمية والدولية.
ويبقى الحضور المتكامل لهذا المبدع الأكاديمي الشامل صمام أمان يؤكد أن قاطرة السينما والتلفزيون بالمغرب تسير بخطى إيجابية وفي الاتجاه الصحيح بفضل تضحيات طاقاتها الرائدة. فحين تجتمع الموهبة المصقولة بالوعي والغيرة الوطنية، تتولد تجارب إبداعية عميقة قادرة على تحدي الزمن والبقاء راسخة في سجل الذاكرة الثقافية للمملكة كنموذج يحتذى به في الالتزام والتميز الفني الرفيع.