بين بريق النجومية العابرة وثبات العطاء الإبداعي المتزن، تبرز طاقة مغربية استثنائية شقت طريقها نحو قلوب الجماهير بخطى واثقة وملامح تجمع بين عفوية الأداء ورزانة الحضور. إنها الفنانة التي استطاعت المزاوجة بين مجالي التشخيص والغناء بمرونة فائقة، متجاوزة حدود الجغرافيا المحلية لتبني لنفسها صيتا محترما في الساحة الفنية العربية، واضعة الصدق والواقعية حجر أساس في جل أعمالها، ومثبتة في كل إطلالة جديدة أن الموهبة الحقيقية المحصنة بالوعي هي الكفيلة بنحت مسار مستدام ومتميز.
تعد المطربة والممثلة المتألقة طاهرة حماميش، ابنة مدينة وجدة، واحدة من الوجوه الفنية اللامعة التي تعرف عليها الجمهور الواسع من خلال منصة أضخم برامج اكتشاف المواهب العربية. وعقب نجاحها الباهر في الغناء، اقتحمت عوالم الدراما بثقة لافتة، مشاركة في إنتاجات مصرية وازنة إلى جانب أهرامات التمثيل كأدوارها في “ولد الغلابة” و”سلطانة المعز”. هذا التنقل السلس بين الأستوديو الموسيقي وبلاتوهات التصوير الدرامي منحها نضجا تعبيريا كبيرا، وجعلها صوتا مغربيا حداثيا ومحبوبا قادرا على فرض اسمه بكفاءة عالية.
بسطت رؤيتها في خرجة صحفية مثيرة تناولت فيها وعورة الساحة الإبداعية وما تفرضه من تحديات شاقة تختبر صلابة المبدع واستمراريته، معلنة بوضوح: “الفن مجال صعب يتطلب قلبا قويا، ومواقع التواصل لن تجرني إلى هوس البوز”. وشددت في معرض حديثها على قناعتها الراسخة بأن العمل في هذا الحقل، خصوصا بالنسبة للفتاة، يستوجب شخصية قوية لمواجهة العراقيل كالمكائد والطعنات في الظهر، مستطردة بلهجة حازمة أنها ترفض تماما الانجرار وراء الجدل المصطنع لزيادة المتابعات، ومفضلة دوما الحفاظ على خطها الرصين واحترام عائلتها ووالدتها بالدرجة الأولى.
وعرجت حماميش على تجربتها الأخيرة في التشخيص، موضحة أن وقوفها أمام كاميرات المخرجين الكبار ساهم بشكل مباشر في صقل أدواتها التعبيرية وإكسابها خبرة ميدانية نوعية. وأشارت إلى أن تجسيد الأدوار المركبة بمختلف اللهجات العربية يمثل متعة حقيقية ومغامرة فنية تخرج الممثل من منطقة الراحة، مستحضرة بابتسامة بعض كواليس التصوير الطريفة التي كانت تفرض إعادة المشاهد بسبب نوبات الضحك التلقائية مع زملائها نتيجة الانسجام الكبير وطاقة البلاتو الإيجابية التي طبعت العمل.
ونوهت النجمة الوجدية بأن عودتها لإصدار أعمال غنائية تجمع بين الطابع التراثي واللمسة العصرية تأتي نزولا عند رغبة الشغف الكبير الذي يربطها بجمهورها الذي ساندها منذ بداياتها الأولى. وتابعت في هذا السياق أن المقطع الصيفي الأخير الذي شاركته لاقى تفاعلا طبيعيا واسعا بفضل إيقاعه المبهج النابض بالحياة، مبرزة بامتنان أن المحبة العفوية للمشاهدين هي الدرع الحقيقي الذي تتسلح به، ومبينة أن ندمها وتراجعها عن بعض المنشورات التلقائية أحيانا ينبع من حرصها الشديد على عدم التسبب في ضيق أي شخص يحبها.
وفي نهاية حديثها حديثها، أفصحت طاهرة حماميش عن رغبتها في معانقة السينما مستقبلا من خلال المشاركة في أفلام تقدم قضايا إنسانية عميقة تلامس واقع المجتمع. وسجلت تفاؤلها الكبير بالحركية الثقافية الحالية، معتبرة أن الفن يمتلك قوة ناعمة قادرة على مد جسور التواصل بين الشعوب، وداعية المواهب الصاعدة إلى التمسك بالتلقائية والابتعاد عن التصنع والتركيز على صقل الموهبة بالدراسة والمثابرة لكسب احترام دائم في قلوب الجماهير.
إن التوازن الصعب الذي تفرضه ابنة وجدة في مسيرتها المشتركة بين النغم والدراما العابرة للحدود، يقدم برهانا ساطعا على أن المبدع لا يحتاج إلى الصخب ليصنع الفارق. فحينما تجتمع الموهبة الفطرية مع النضج الأخلاقي والفني، تولد تجربة إنسانية رصينة ومقاومة لآلة النسيان العشوائي، لتسير طاهرة بخطى ثابتة نحو كتابة فصول جديدة من التميز، مرسخة بصمتها كأحد الجسور الحية التي تنقل أصالة التعبير المغربي بوقار وثقة إلى أرجاء الساحة الفنية العربية بأكملها.