من عتمة القاعات السينمائية وبهاء البلاتوهات الفنية إلى صخب النقاشات التشريعية وتحت قبة المؤسسة البرلمانية، تمتد مسيرة استثنائية لامرأة مغربية استطاعت أن تصنع الفارق بأدائها ومواقفها؛ فكيف نجحت نجمة الشاشة الفضية في الموازنة بين شغفها الأول بالتشخيص وصناعة البهجة وبين التزامها السياسي بالدفاع عن قضايا المواطن البسيط والجهات المهمشة؟ إنها الفنانة والمشرعة التي لم تتخل عن هويتها الفنية، بل حملت هموم المبدعين وحاجيات المجتمع إلى قلب مراكز القرار، لتقدم نموذجا عصريا للمرأة المغربية القادرة على العطاء والتميز في جبهات متعددة بكل ثقة واقتدار.
تعد الفنانة والسياسية المغربية كليلة بونعيلات، المولودة عام 1981 بمدينة أكادير، واحدة من أبرز الوجوه النسائية الشابة التي تركت بصمة واضحة في المشهد السمعي البصري والسياسي بالمملكة. بدأت مسيرتها الفنية عام 2004 بمحض الصدفة البحتة حينما عوضت شقيقتها التوأم “دمنة” في الفيلم التلفزيوني “شلح وبغى فاسية”، لتتوالى بعدها نجاحاتها الكبرى من خلال أدوار البطولة في أعمال راسخة لدى الجمهور، أبرزها الفيلم الشهير “الطريق إلى كابول” ومسلسلات “إلى الأبد”، “سول دموعي”، ومسلسل “فم السبع”. وفي خطوة مفاجئة شكلت منعطفا حاسما في حياتها، دخلت غمار العمل السياسي بقميص حزب التجمع الوطني للأحرار، حيث نجحت في حصد مقعد نيابي بمجلس النواب عن جهة سوس ماسة في انتخابات سبتمبر 2021.
وكشفت في حديث للإعلام أن انشغالها بالمسؤولية السياسية داخل المؤسسة التشريعية أثر بشكل مباشر وقاطع على مسارها الفني وحضورها فوق بلاتوهات التصوير. وعبرت بونعيلات في هذا السياق، خلال مرورها فوق البساط الأحمر للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، عن رغبتها في التوفيق بين العملين مع منح الأولوية التامة لتمثيل الأمة والدفاع عن قضايا المواطنين بمسؤولية. وأضافت في تصريحاتها الأخيرة أن مشاركتها التلفزيونية الأخيرة في مسلسل “فم السبع” كانت بسيطة ومحدودة للغاية ولم تأخذ منها وقتا طويلا، وذلك لضمان التفرغ التام لواجباتها الدستورية وخدمة المواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيها.
وفي معرض حديثها أمام الصحافة عن كواليس هذا الاختيار، صرحت بونعيلات أن دخولها المعترك السياسي لم يكن انسحابا نهائيا أو هروبا من الميدان الفني بقدر ما هو إعادة ترتيب واعية للأولويات المهنية والإنسانية. وأوضحت الفنانة المغربية أن التجربة السياسية الميدانية في البرلمان منحتها رؤية أوسع وأعمق لقضايا المجتمع المغربي، لاسيما المشاكل المرتبطة بالتعليم، الصحة، وتهميش المناطق النائية بجهة سوس والبلد ككل. وأكدت في معرض تفسيراتها أن ممارسة العمل السياسي من داخل القبة فرضت عليها جلبابا ثنائيا مميزا يجعلها تتحمل الأمانة الأخلاقية والوطنية بكل مسؤولية، بعيدا عن منطق السعي وراء الأضواء أو النجومية العابرة.
وعبرت في لقاء صحفي عن طموحها في أن تكون “خير سفيرة” للمهن الفنية والمبدعين تحت قبة البرلمان. وأضافت بونعيلات في إفادتها أنها تضع على عاتقها الدفاع المستمر عن الوضعية الاعتبارية والاجتماعية للفنانين المغاربة الذين يعانون في صمت من مشاكل التهميش وغياب الرعاية الصحية بعد التقدم في السن. وتابعت موجهة رسائل قوية في سياق كلامها تؤكد فيها أن تواجد النخب الثقافية والفنية في المشهد السياسي يساعد بشكل جوهري في الرقي بأساليب الحوار وصياغة تشريعات وقوانين تنظيمية تحمي حقوق المؤلف والملك الفكري وتضمن كرامة المشتغلين في القطاع السمعي البصري.
وأردفت النجمة والبرلمانية المغربية متطرقة إلى حياتها الشخصية، حيث واجهت بشجاعة وصراحة الأسئلة التي تناولت جوانب خاصة من مسارها وتفاصيل صمتها الأخير حول قضاياها الأسرية كخبر انفصالها. واسترسلت مبينة في توضيحاتها أن هناك خطوطا حمراء تفضل دائما إبقاءها بعيدة عن التداول العام وعن منصات التواصل الاجتماعي حماية لخصوصيتها الشخصية وعائلتها. وأنهت كلماتها بالتأكيد على أن عودة التظاهرات الفنية الكبرى للمملكة تمنحها دائما الأمل والشحنة المعنوية لمواصلة مسيرتها التراكمية، مشددة على أن الحكم الأول والأخير يبقى للمواطن الذي تراقبه وتخدمه بصدق وأمانة من داخل وخارج المؤسسات التشريعية.